البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٠٩ - هود آيه ٤٩-٣٦
فَرَضَ مَوَارِيثَ،فَهَذِهِ شَرِيعَتُهُ،فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً،يَدْعُوهُمْ سِرّاً وَ عَلاَنِيَةً،فَلَمَّا أَبَوْا وَ عَتَوْا قَالَ:
رَبِّ انِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [١].فَأَوْحَى اللَّهُ: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّٰ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلاٰ تَبْتَئِسْ بِمٰا كٰانُوا يَفْعَلُونَ فَلِذَلِكَ قَالَ نُوحٌ: وَ لاٰ يَلِدُوا إِلاّٰ فٰاجِراً كَفّٰاراً [٢]وَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ » [٣].
٩٩-/٥١٠١ _٢٤- عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ،قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِالْكُوفَةِ أَيَّامَ قَدِمَ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الْكُنَاسَةِ،نَظَرَ عَنْ يَسَارِهِ،ثُمَّ قَالَ:«يَا مُفَضَّلُ،هَاهُنَا صُلِبَ عَمِّي زَيْدٌ(رَحِمَهُ اللَّهُ)».ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى طَاقَ الزَّيَّاتِينَ وَ هُوَ آخِرُ السَّرَّاجِينَ،فَنَزَلَ،فَقَالَ لِي:«انْزِلْ،فَإِنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ كَانَ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ الْأَوَّلَ،الَّذِي خَطَّهُ آدَمُ،وَ أَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَدْخُلَهُ رَاكِباً».
فَقُلْتُ لَهُ:فَمَنْ غَيَّرَهُ عَنْ خِطَّتِهِ فَقَالَ:«أَمَّا أَوَّلُ ذَلِكَ فَالطُّوفَانُ فِي زَمَنِ نُوحٍ،ثُمَّ غَيَّرَهُ بَعْدُ أَصْحَابُ كِسْرَى وَ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ،ثُمَّ غَيَّرَهُ زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ».
فَقُلْتُ لَهُ:جُعِلْتُ فِدَاكَ،وَ كَانَتِ الْكُوفَةُ وَ مَسْجِدُهَا فِي زَمَنِ نُوحٍ؟فَقَالَ:«نَعَمْ-يَا مُفَضَّلُ-وَ كَانَ مَنْزِلُ نُوحٍ وَ قَوْمِهِ فِي قَرْيَةٍ عَلَى مَتْنِ الْفُرَاتِ،مِمَّا يَلِي غَرْبِيَّ الْكُوفَةِ-قَالَ-وَ كَانَ نُوحٌ رَجُلاً نَجَّاراً،فَأَرْسَلَهُ [٤] اللَّهُ وَ انْتَجَبَهُ،وَ نُوحٌ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَ سَفِينَةً تَجْرِي عَلَى ظَهْرِ الْمَاءِ؛وَ إِنَّ نُوحاً لَبِثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً،يَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى،فَيَمُرُّونَ بِهِ وَ يَسْخَرُونَ مِنْهُ،فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ دَعَا عَلَيْهِمْ،فَقَالَ: رَبِّ لاٰ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكٰافِرِينَ دَيّٰاراً إِلَى قَوْلِهِ: إِلاّٰ فٰاجِراً كَفّٰاراً [٥].-قَالَ-فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ:يَا نُوحُ،أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ وَ أَوْسِعْهَا، وَ عَجِّلْ عَمَلَهَا بِأَعْيُنِنَا.وَ وَحْيِنَا،فَعَمِلَ نُوحٌ سَفِينَتَهُ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ بِيَدِهِ،يَأْتِي بِالْخَشَبِ مِنْ بُعْدٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا».
قَالَ الْمُفَضَّلُ:ثُمَّ انْقَطَعَ حَدِيثُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عِنْدَ ذَلِكَ،عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ،فَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ،ثُمَّ انْصَرَفَ مِنَ الْمَسْجِدِ،فَالْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ،وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى مَوْضِعِ دَارِ الدَّارِيِّينَ،وَ هِيَ [٦] فِي مَوْضِعِ دَارِ ابْنِ حَكِيمٍ،وَ ذَلِكَ فُرَاتٌ الْيَوْمَ،ثُمَّ قَالَ لِي:«يَا مُفَضَّلُ هَاهُنَا نُصِبَتْ أَصْنَامُ قَوْمِ نُوحٍ:يَغُوثُ،وَ يَعُوقُ،وَ نَسْرٌ».ثُمَّ مَضَى حَتَّى رَكِبَ دَابَّتَهُ،فَقُلْتُ لَهُ:جُعِلْتُ فِدَاكَ،فِي كَمْ عَمِلَ نُوحٌ سَفِينَتَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا؟قَالَ:«فِي دَوْرَيْنِ».
فَقُلْتُ:وَ كَمِ الدَّوْرَانِ؟قَالَ:«ثَمَانُونَ سَنَةً».
قُلْتُ:فَإِنَّ الْعَامَّةَ تَقُولُ:عَمِلَهَا فِي خَمْسِمِائَةِ عَامٍ؟فَقَالَ:«كَلاَّ،كَيْفَ وَ اللَّهُ يَقُولُ: وَ وَحْيِنٰا ؟!».
[١] تضمين من سورة القمر ٥٤:١٠.
[٢] نوح ٧١:٢٧.
[٣] المؤمنون ٢٣:٢٧.
[٤] في«ط»:فانتباه.
[٥] نوح ٧١:٢٦-٢٧.
[٦] في«س»:دار الدارين،و هو.