البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٣ - يونس آيه ٢٤
ذَلِكَ يَتَجَلَّى عَنْهُمْ،حَتَّى إِذَا أَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ،وَ أَمِنُوا عَذَابَهُ،وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدِ اسْتَقَرُّوا،صِيحَ فِيهِمْ صَيْحَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهَا مُنَادٍ يَسْمَعُهُمْ وَ لاَ يَجْمَعُهُمْ [١]،وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: حَتّٰى إِذٰا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهٰا إِلَى قَوْلِهِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أَلاَ إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الظَّلَمَةِ إِلاَّ وَ لَهُمْ بُقْيَا،إِلاَّ آلَ فُلاَنٍ فَإِنَّهُمْ لاَ بُقْيَا لَهُمْ».
قَالَ:جُعِلْتُ فِدَاكَ،أَ لَيْسَ لَهُمْ بُقْيَا؟ قَالَ:«بَلَى،وَ لَكِنَّهُمْ يُصِيبُونَ مِنَّا دَماً،فَبِظُلْمِهِمْ نَحْنُ وَ شِيعَتَنَا فَلاَ بُقْيَا لَهُمْ».
وَ قَدْ مَضَى حَدِيثٌ فِي مَعْنَى الْآيَةِ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمّٰا نَسُوا مٰا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ أَبْوٰابَ كُلِّ شَيْءٍ الْآيَةَ،مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٢].
٩٩-/٤٨٦٨ _٣- مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ:عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى،عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى؛وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،عَنْ أَبِيهِ،جَمِيعاً عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ،عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَالِبٍ الْأَسَدِيِّ،عَنْ أَبِيهِ،عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ،قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)يَعِظُ النَّاسَ وَ يُزَهِّدُهُمْ فِي الدُّنْيَا،وَ يُرَغِّبُهُمْ فِي أَعْمَالِ الْآخِرَةِ بِهَذَا الْكَلاَمِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ حُفِظَ عَنْهُ وَ كُتِبَ.
كَانَ يَقُولُ:«أَيُّهَا النَّاسُ-وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ فِيهِ-فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ،وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُحِبَّ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَ عَاجِلَهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَائِهِ،وَ لَمْ يُرَغِّبْهُمْ فِيهَا وَ فِي عَاجِلِ زَهْرَتِهَا،وَ ظَاهِرِ بَهْجَتِهَا،وَ إِنَّمَا خَلَقَ الدُّنْيَا وَ خَلَقَ أَهْلَهَا لِيَبْلُوَهُمْ فِيهَا أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً لِآخِرَتِهِ.
وَ أَيْمُ اللَّهِ،لَقَدْ ضَرَبَ لَكُمْ فِيهَا الْأَمْثَالَ،وَ صَرَّفَ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ،وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ،فَازْهَدُوا فِيمَا زَهَّدَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِ مِنْ عَاجِلِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا،فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ وَ قَوْلُهُ الْحَقُّ: إِنَّمٰا مَثَلُ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا كَمٰاءٍ أَنْزَلْنٰاهُ مِنَ السَّمٰاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبٰاتُ الْأَرْضِ مِمّٰا يَأْكُلُ النّٰاسُ وَ الْأَنْعٰامُ حَتّٰى إِذٰا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهٰا وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُهٰا أَنَّهُمْ قٰادِرُونَ عَلَيْهٰا أَتٰاهٰا أَمْرُنٰا لَيْلاً أَوْ نَهٰاراً فَجَعَلْنٰاهٰا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .
فَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ:وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا،فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ لِمُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):
وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ [٣] وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا،رُكُونَ مَنِ اتَّخَذَهَا دَارَ قَرَارٍ وَ مَنْزِلَ اسْتِيطَانٍ،فَإِنَّهَا دَارُ بُلْغَةٍ [٤]،وَ مَنْزِلُ قُلْعَةٍ [٥]،وَ دَارُ عَمَلٍ،فَتَزَوَّدُوا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ فِيهَا قَبْلَ تَفَرُّقِ أَيَّامِهَا، وَ قَبْلَ الْإِذْنِ مِنَ اللَّهِ فِي خَرَابِهَا،فَكَأَنْ قَدْ أَخْرَبَهَا الَّذِي عَمَرَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ ابْتَدَأَهَا،وَ هُوَ وَلِيُّ مِيرَاثِهَا،فَأَسْأَلُ اللَّهَ الْعَوْنَ
[١] في«ط»:منال يسعهم و لا يجمعهم.
[٢] تقدّم في الحديث(٤)من تفسير الآيتين(٤٤-٤٥)من سورة الأنعام.
[٣] هود ١١:١١٣.
[٤] البلغة:ما يتبلّغ به من العيش و لا فضل فيه.«لسان العرب-بلغ-٨:٤٢١».
[٥] منزل قلعة:أي تحوّل و ارتحال.«النهاية ٤:١٠٢».