البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٢٣ - الكهف آيه ٢٢-٩
يَسْتَيْقِظُ،وَ لَيْسَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْإِلَهِ».
قَالَ:«وَ كَانَ الْفِتْيَةُ السِّتَّةُ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ أَحَدِهِمْ يَأْكُلُونَ وَ يَشْرَبُونَ،وَ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمَ عِنْدَ تمليخا فَاتَّخَذَ لَهُمْ مِنْ أَطْيَبِ الطَّعَامِ وَ أَعْذَبِ الشَّرَابِ فَطَعِمُوا وَ شَرِبُوا،ثُمَّ قَالَ:يَا إِخْوَتَاهْ،قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ قَدْ مَنَعَنِي الطَّعَامَ وَ الشَّرَابَ وَ الْمَنَامَ قَالُوا:وَ مَا ذَلِكَ يَا تمليخا،فَقَالَ تمليخا:لَقَدْ أَطَلْتُ فِكْرِي فِي هَذِهِ السَّمَاءِ فَقُلْتُ:مَنْ رَفَعَ سَقْفَهَا مَحْفُوظَةً بِلاَ عِلاَقَةٍ مِنْ فَوْقِهَا وَ لاَ دِعَامَةٍ مِنْ تَحْتِهَا،وَ مَنْ أَجْرَى فِيهَا شَمْساً وَ قَمَراً نَيِّرَيْنِ مُضِيئَيْنِ [١]،وَ مَنْ زَيَّنَهَا بِالنُّجُومِ؟ثُمَّ أَطَلْتُ فِكْرِي فِي هَذِهِ الْأَرْضِ،فَقُلْتُ:مَنْ سَطَحَهَا عَلَى صَمِيمِ الْمَاءِ الزَّاخِرِ،وَ مَنْ حَبَسَهَا بِالْجِبَالِ أَنْ تَمِيدَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؟وَ أَطَلْتُ فِكْرِي فِي نَفْسِي،فَقُلْتُ:مَنْ أَخْرَجَنِي جَنِيناً مِنْ بَطْنِ أُمِّي،وَ مَنْ غَذَّانِي،وَ مَنْ رَبَّانِي فِي بَطْنِهَا؟إِنَّ لِهَذَا صَانِعاً وَ مُدَبِّراً غَيْرَ دَقْيُوسَ الْمَلِكِ،وَ مَا هَذَا إِلاَّ مَلِكُ الْمُلُوكِ وَ جَبَّارُ السَّمَاوَاتِ».
قَالَ:«فَانْكَبَّ الْفِتْيَةُ عَلَى رِجْلَيْهِ فَقَبَّلُوهَا،وَ يَقُولُونَ:قَدْ هَدَانَا اللَّهُ مِنَ الضَّلاَلَةِ بِكَ إِلَى الْهُدَى فَأَشِرْ عَلَيْنَا-قَالَ- فَوَثَبَ تمليخا فَبَاعَ تَمْراً مِنْ حَائِطٍ لَهُ ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ [٢]،وَ صَرَّهَا فِي كُمِّهِ،وَ رَكِبُوا عَلَى خُيُولِهِمْ وَ خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا سَارُوا ثَلاَثَةَ أَمْيَالٍ،قَالَ تمليخا:يَا إِخْوَتَاهْ جَاءَ مَلِكُ الْآخِرَةِ وَ ذَهَبَ مَلِكُ الدُّنْيَا وَ زَالَ أَمْرُهَا،انْزِلُوا عَنْ خُيُولِكُمْ وَ امْشُوا عَلَى أَرْجُلِكُمْ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ فَرَجاً وَ مَخْرَجاً؛فَنَزَلُوا عَنْ خُيُولِهِمْ فَمَشَوْا سَبْعَ فَرَاسِخَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَجَعَلَتْ أَرْجُلُهُمْ تَقْطُرُ دَماً».
قَالَ:«فَاسْتَقْبَلَهُمْ رَاعٍ،فَقَالُوا،أَيُّهَا الرَّاعِي،هَلْ مِنْ شَرْبَةِ لَبَنٍ؟هَلْ مِنْ شَرْبَةِ مَاءٍ؟فَقَالَ الرَّاعِي عِنْدِي مَا تُحِبُّونَ،وَ لَكِنْ أَرَى وُجُوهَكُمْ وُجُوهَ الْمُلُوكِ،وَ مَا أَظُنُّكُمْ إِلاَّ هُرَّاباً مِنْ دَقْيُوسَ الْمَلِكِ؟قَالُوا:أَيُّهَا الرَّاعِي،لاَ يَحِلُّ لَنَا الْكَذِبُ،فَيُنْجِينَا مِنْكَ الصِّدْقُ؟قَالَ:نَعَمْ،فَأَخْبَرُوهُ بِقِصَّتِهِمْ،فَانْكَبَّ عَلَى أَقْدَامِهِمْ يُقَبِّلُهَا،وَ قَالَ:يَا قَوْمِ،لَقَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِي مَا وَقَعَ فِي قُلُوبِكُمْ،وَ لَكِنْ أَمْهِلُونِي حَتَّى أَرُدَّ الْأَغْنَامَ إِلَى أَرْبَابِهَا وَ أَلْحَقَ بِكُمْ،فَوَقَفُوا لَهُ فَرَدَّ الْأَغْنَامَ وَ أَقْبَلَ يَسْعَى فَتَبِعَهُ كَلْبُهُ.» فَقَالَ الْيَهُودِيُّ:يَا عَلِيُّ،مَا كَانَ لَوْنُ الْكَلْبِ،وَ مَا اسْمُهُ؟قَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«يَا أَخَا الْيَهُودِ [٣]،أَمَّا لَوْنُ الْكَلْبِ فَكَانَ أَبْلَقَ بِسَوَادٍ،وَ أَمَّا اسْمُهُ فَكَانَ قِطْمِيرَ [٤].فَلَمَّا نَظَرَ الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَلْبِ،قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:إِنَّا نَخَافُ أَنْ يَفْضَحَنَا هَذَا الْكَلْبُ بِنُبَاحِهِ فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ بِالْحِجَارَةِ،فَلَمَّا نَظَرَ الْكَلْبُ إِلَيْهِمْ قَدْ أَلَحُّوا عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ أَقْعَى عَلَى ذَنَبِهِ وَ تَمَطَّى وَ نَطَقَ بِلِسَانٍ ذَلِقٍ [٥]،وَ هُوَ يُنَادِي:يَا قَوْمِ،لِمَ تَرُدُّونِّي وَ أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ،وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ،ذَرُونِي أَحْرُسْكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ،-قَالَ-فَجَعَلُوا يَبْتَدِرُونَهُ،فَحَمَلُوهُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ-قَالَ-فَلَمْ يَزَلِ الرَّاعِي يَسِيرُ بِهِمْ حَتَّى عَلاَ بِهِمْ جَبَلاً فَانْحَطَّ بِهِمْ عَلَى كَهْفٍ يُقَالُ لَهُ:اَلْوَصِيدُ،فَإِذَا بِإِزَاءِ الْكَهْفِ عَيْنٌ،وَ أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ،فَأَكَلُوا مِنَ الثَّمَرَةِ وَ شَرِبُوا مِنَ الْمَاءِ،وَ جَنَّهُمُ
[١] في المصدر:آيتين مبصرتين.
[٢] في المصدر:ثلاثة آلاف درهم.
[٣] في المصدر:قال عليّ(عليه السّلام):لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلي العظيم.
[٤] في المصدر:قمطير.
[٥] في المصدر:طلق.