البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٧٦ - باب في يأجوج و مأجوج
فَقَالَ:«أَفْعَلُ،إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى»،فَقَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فَتَوَضَّأَ وَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ،وَ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِدَعَوَاتٍ لَمْ يَفْهَمْهَا أَحَدٌ،ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ،فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ جَاءَتْ سَحَابَةٌ،فَوَقَعَتْ عَلَى الدَّارِ،وَ إِذَا بِجَانِبِهَا سَحَابَةٌ أُخْرَى،فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«أَيَّتُهَا السَّحَابَةُ،اهْبِطِي بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى»،فَهَبَطَتْ،وَ هِيَ تَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ،وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ،وَ أَنَّكَ خَلِيفَتُهُ وَ وَصِيُّهُ،مَنْ شَكَّ فِيكَ فَقَدْ ضَلَّ سَبِيلَ النَّجَاةِ».
قَالَ:ثُمَّ انْبَسَطَتِ السَّحَابَةُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ حَتَّى كَأَنَّهَا بِسَاطٌ مَوْضُوعٌ،فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):
«اجْلِسُوا عَلَى الْغَمَامَةِ»فَجَلَسْنَا،وَ أَخَذْنَا مَوَاضِعَنَا،فَأَشَارَ إِلَى السَّحَابَةِ الْأُخْرَى فَهَبَطَتْ،وَ هِيَ تَقُولُ كَمَقَالَةِ الْأُولَى، وَ جَلَسَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهَا ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلاَمٍ،وَ أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِالْمَسِيرِ نَحْوَ الْمَغْرِبِ،وَ إِذَا بِالرِّيحِ قَدْ دَخَلَتْ تَحْتَ السَّحَابَتَيْنِ،فَرَفَعَتْهُمَا رَفْعاً رَفِيقاً،فَتَمَايَلَتْ نَحْوَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ إِذَا بِهِ عَلَى كُرْسِيٍّ،وَ النُّورُ يَسْطَعُ مِنْ وَجْهِهِ،وَ وَجْهُهُ أَنْوَرُ مِنَ الْقَمَرِ.
فَقَالَ الْحَسَنُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)«:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)كَانَ مُطَاعاً بِخَاتَمِهِ،وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَاذَا يُطَاعُ؟».
فَقَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«أَنَا عَيْنُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ،وَ لِسَانُهُ النَّاطِقُ فِي خَلْقِهِ،أَنَا نُورُ اللَّهِ الَّذِي لاَ يُطْفَأُ،أَنَا بَابُ اللَّهِ الَّذِي يُؤْتَى مِنْهُ،وَ حُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ».
ثُمَّ قَالَ:«أَ تُحِبُّونَ أَنْ أُرِيَكُمْ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)؟»قُلْنَا:نَعَمْ،فَأَدْخَلَ يَدَهُ إِلَى جَيْبِهِ،فَأَخْرَجَ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ فَصُّهُ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ،عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ:مُحَمَّدٌ وَ عَلِيٌّ،قَالَ سَلْمَانُ:فَتَعَجَّبْنَا مِنْ ذَلِكَ،فَقَالَ:«مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَعْجَبُونَ؟وَ مَا الْعَجَبُ مِنْ مِثْلِي؟أَنَا أُرِيكُمُ الْيَوْمَ مَا لَمْ تَرَوْهُ أَبَداً».
فَقَالَ الْحَسَنُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«أُرِيدُ أَنْ تُرِيَنِي يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ وَ السَّدَّ الَّذِي بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ»،فَسَارَتِ الرِّيحُ تَحْتَ السَّحَابِ،فَسَمِعْنَا لَهَا دَوِيّاً كَدَوِيِّ الرَّعْدِ،وَ عَلَتْ فِي الْهَوَاءِ،وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)يَقْدُمُنَا،حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى جَبَلٍ شَامِخٍ فِي الْعُلُوِّ،وَ إِذَا شَجَرَةٌ جَافَّةٌ قَدْ تَسَاقَطَتْ أَوْرَاقُهَا،وَ جَفَّتْ أَغْصَانُهَا،فَقَالَ الْحَسَنُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«مَا بَالُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ قَدْ يَبِسَتْ؟»فَقَالَ لَهُ:«سَلْهَا،فَإِنَّهَا تُجِيبُكَ»،فَقَالَ الْحَسَنُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ،مَا لَكِ قَدْ حَدَثَ بِكِ مَا نَرَاهُ مِنَ الْجَفَافِ؟»فَلَمْ تُجِبْهُ؟فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«إِلاَّ مَا أَجَبْتِهِ»،قَالَ الرَّاوِي:وَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُهَا تَقُولُ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ يَا وَصِيَّ رَسُولِ اللَّهِ وَ خَلِيفَتَهُ،ثُمَّ قَالَتْ:يَا أَبَا مُحَمَّدٍ،إِنَّ أَبَاكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)كَانَ يَجِيئُنِي فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَقْتَ السَّحَرِ،وَ يُصَلِّي عِنْدِي رَكْعَتَيْنِ،وَ يُكْثِرُ مِنَ التَّسْبِيحِ،فَإِذَا فَرَغَ مِنْ دُعَائِهِ جَاءَتْهُ غَمَامَةٌ بَيْضَاءُ،يُنْفَحُ مِنْهَا رَائِحَةُ الْمِسْكِ،وَ عَلَيْهَا كُرْسِيٌّ،فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ فَتَسِيرُ بِهِ،فَكُنْتُ أَعِيشُ بِمَجْلِسِهِ وَ بَرَكَتِهِ،فَانْقَطَعَ عَنِّي مُنْذُ أَرْبَعِينَ يَوْماً،فَهَذَا سَبَبُ مَا تَرَاهُ مِنِّي.فَقَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ،وَ مَسَحَ بِكَفِّهِ عَلَيْهَا،فَاخْضَرَّتْ وَ عَادَتْ إِلَى حَالِهَا.
وَ أَمَرَ الرِّيحَ فَسَارَتْ بِنَا،وَ إِذَا نَحْنُ بِمَلَكٍ يَدَهُ فِي الْمَغْرِبِ،وَ الْأُخْرَى بِالْمَشْرِقِ،فَلَمَّا نَظَرَ الْمَلَكُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ،وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ،وَ رَسُولُهُ،أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ،لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ،وَ أَشْهَدُ أَنَّكَ وَصِيُّهُ وَ خَلِيفَتُهُ حَقّاً وَ صِدْقاً.فَقُلْتُ:يَا أَمِيرَ