البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٧٧ - الإسراء آيه ٨١
قَالَ:قُلْتُ لَهُ:يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،وَ بِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُ مَا فِي نَفْسِي قَبْلَ سُؤَالِي؟فَقَالَ:«بِالتَّوَسُمِ وَ التَّفَرُّسِ،أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [١]وَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):اِتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ؟».
قَالَ:فَقُلْتُ لَهُ:يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،فَأَخْبِرْنِي بِمَسْأَلَتِي؟قَالَ:«أَرَدْتَ أَنْ تَسْأَلَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):لِمَ لَمْ يُطِقْ حَمْلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عِنْدَ حَطِّ الْأَصْنَامِ عَنْ سَطْحِ الْكَعْبَةِ مَعَ قُوَّتِهِ وَ شِدَّتِهِ،وَ مَا ظَهَرَ مِنْهُ فِي قَلْعِ بَابِ الْقَمُوصِ بِخَيْبَرَ،وَ الرَّمْيِ بِهِ إِلَى وَرَائِهِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعاً،وَ كَانَ لاَ يُطِيقُ حَمْلَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلاً،وَ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يَرْكَبُ النَّاقَةَ وَ الْفَرَسَ وَ الْحِمَارَ،وَ رَكِبَ الْبُرَاقَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ،وَ كُلُّ ذَلِكَ دُونَ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فِي الْقُوَّةِ وَ الشِّدَّةِ».
قَالَ:فَقُلْتُ لَهُ:عَنْ هَذَا وَ اللَّهِ أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَكَ-يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ-فَأَخْبِرْنِي.قَالَ:«نَعَمْ،إِنَّ عَلِيّاً(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِرَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)تَشَرَّفَ،وَ بِهِ ارْتَفَعَ،وَ بِهِ وَصَلَ إِلَى أَنْ أَطْفَأَ نَارَ الشِّرْكِ،وَ أَبْطَلَ كُلَّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ،وَ لَوْ عَلاَهُ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِحَطِّ الْأَصْنَامِ لَكَانَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِعَلِيٍّ مُرْتَفِعاً وَ مُتَشَرِّفاً وَ وَاصِلاً إِلَى حَطِّ الْأَصْنَامِ،وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ،أَ لاَ تَرَى أَنَّ عَلِيّاً(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)قَالَ:لَمَّا عَلَوْتُ ظَهْرَ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)شُرِّفْتُ وَ ارْتَفَعْتُ حَتَّى لَوْ شِئْتُ أَنْ أَنَالَ السَّمَاءَ لَنِلْتُهَا؟أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الْمِصْبَاحَ هُوَ الَّذِي يُهْتَدَى بِهِ فِي الظُّلْمَةِ،وَ انْبِعَاثُ فَرْعِهِ مِنْ أَصْلِهِ؟وَ قَدْ قَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):أَنَا مِنْ أَحْمَدَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)كَالضَّوْءِ مِنَ الضَّوْءِ،أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً(صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا)كَانَا نُوراً بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ بِأَلْفَيْ عَامٍ؟وَ أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ النُّورَ رَأَتْ لَهُ أَصْلاً قَدْ تَشَعَّبَ مِنْهُ شُعَاعٌ لاَمِعٌ،فَقَالُوا:إِلَهَنَا وَ سَيِّدَنَا،مَا هَذَا النُّورُ؟فَأَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِلَيْهِمْ:هَذَا نُورٌ مِنْ نُورِي،أَصْلُهُ نُبُوَّةٌ وَ فَرْعُهُ إِمَامَةٌ،أَمَّا النُّبُوَّةُ فَلِمُحَمَّدٍ عَبْدِي وَ رَسُولِي،وَ أَمَّا الْإِمَامَةُ فَلِعَلِيٍّ حُجَّتِي وَ وَلِيِّي، وَ لَوْلاَهُمَا مَا خَلَقْتُ خَلْقِي،أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)رَفَعَ يَدَ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِغَدِيرِ خُمٍّ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَى بَيَاضِ إِبْطَيْهِمَا،فَجَعَلَهُ مَوْلَى الْمُسْلِمِينَ وَ إِمَامَهُمْ،وَ قَدِ احْتَمَلَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)يَوْمَ حَظِيرَةِ بَنِي النَّجَّارِ،فَلَمَّا قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ:نَاوِلْنِي أَحَدَهُمَا،يَا رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).قَالَ:نِعْمَ الرَّاكِبَانِ،وَ أَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا،وَ أَنَّهُ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)كَانَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ فَأَطَالَ سَجْدَةً مِنْ سَجَدَاتِهِ،فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَطَلْتَ هَذِهِ السَّجْدَةَ؟فَقَالَ:إِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي،فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَاجِلَهُ حَتَّى يَنْزِلَ؛وَ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)رَفْعَهُمْ وَ تَشْرِيفَهُمْ،فَالنَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِمَامٌ وَ نَبِيٌّ،وَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)إِمَامٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وَ لاَ رَسُولٍ،فَهُوَ غَيْرُ مُطِيقٍ لِحَمْلِ أَثْقَالِ النُّبُوَّةِ.
قَالَ:مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْهِلاَلِيُّ:فَقُلْتُ لَهُ زِدْنِي،يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ.فَقَالَ:«انَّكَ لَأَهْلٌ لِلزِّيَادَةِ،إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)حَمَلَ عَلِيّاً(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَلَى ظَهْرِهِ،يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَبُو وُلْدِهِ،وَ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ مِنْ صُلْبِهِ،كَمَا حَوَّلَ رِدَاءَهُ فِي صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ،وَ أَرَادَ أَنْ يُعْلِمَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ تَحَوَّلَ الْجَدْبُ خِصْباً».
[١] الحجر ١٥:٧٥.