البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٧٣٣ - مريم آيه ٩٨-٧٣
وَ الثِّمَارُ دَانِيَةٌ مِنْهُمْ،وَ هُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ دٰانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاٰلُهٰا وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُهٰا تَذْلِيلاً [١]مِنْ قُرْبِهَا مِنْهُمْ، يَتَنَاوَلُ الْمُؤْمِنُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ مِنَ الثِّمَارِ بِفِيهِ وَ هُوَ مُتَّكِئٌ،وَ إِنَّ الْأَنْوَاعَ مِنَ الْفَاكِهَةِ لَيَقُلْنَ لِوَلِيِّ اللَّهِ:يَا وَلِيَّ اللَّهِ، كُلْنِي قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَ هَذَا قَبْلِي.
قَالَ:وَ لَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ فِي الْجَنَّةِ إِلاَّ وَ لَهُ جِنَانٌ كَثِيرَةٌ،مَعْرُوشَاتٌ وَ غَيْرُ مَعْرُوشَاتٍ،وَ أَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ،وَ أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ،وَ أَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ،وَ أَنْهَارٌ مِنَ عَسَلٍ مُصَفًّى،فَإِذَا دَعَا وَلِيُّ اللَّهِ بِغِذَائِهِ أُتِيَ بِمَا تَشْتَهِي نَفْسُهُ عِنْدَ طَلَبِهِ الْغِذَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَ شَهْوَتَهُ.
قَالَ:ثُمَّ يَتَخَلَّى مَعَ إِخْوَانِهِ،وَ يَزُورُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً،وَ يَتَنَعَّمُونَ فِي جَنَّاتِهِمْ فِي ظِلٍّ مَمْدُودٍ،فِي مِثْلِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ،وَ أَطْيَبُ مِنْ ذَلِكَ،لِكُلِّ مُؤْمِنٍ سَبْعُونَ زَوْجَةً حَوْرَاءَ،وَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ مِنَ الْآدَمِيِّينَ،وَ الْمُؤْمِنُ سَاعَةٌ مَعَ الْحَوْرَاءِ،وَ سَاعَةٌ مَعَ الْآدَمِيَّةِ،وَ سَاعَةٌ يَخْلُو بِنَفْسِهِ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئاً،يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ.
وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَغْشَاهُ شُعَاعُ نُورٍ،وَ هُوَ عَلَى أَرِيكَتِهِ،وَ يَقُولُ لِخُدَّامِهِ:مَا هَذَا الشُّعَاعُ اللاَّمِعُ،لَعَلَّ الْجَبَّارَ لَحَظَنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ خُدَّامُهُ:قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ،جَلَّ جَلاَلُ اللَّهِ،بَلْ هَذِهِ حَوْرَاءُ مِنْ نِسَائِكَ مِمَّنْ لَمْ تَدْخُلْ بِهَا بَعْدُ.قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَيْكَ مِنْ خَيْمَتِهَا شَوْقاً إِلَيْكَ.وَ قَدْ تَعَرَّضَتْ لَكَ وَ أَحَبَّتْ لِقَاءَكَ،فَلَمَّا أَنْ رَأَتْكَ مُتَّكِئاً عَلَى سَرِيرِكَ تَبَسَّمَتْ نَحْوَكَ شَوْقاً إِلَيْكَ،فَالشُّعَاعُ الَّذِي رَأَيْتَ،وَ النُّورُ الَّذِي غَشِيَكَ هُوَ مِنْ بَيَاضِ ثَغْرِهَا وَ صَفَائِهِ،وَ نَقَائِهِ وَ رِقَّتِهِ.فَيَقُولُ وَلِيُّ اللَّهِ:
ائْذَنُوا لَهَا فَتَنْزِلَ إِلَيَّ،فَيَبْتَدِرُ إِلَيْهَا أَلْفُ وَصِيفٍ،وَ أَلْفُ وَصِيفَةٍ،يُبَشِّرُونَهَا بِذَلِكَ فَتَنْزِلُ إِلَيْهِ مِنْ خَيْمَتِهَا،وَ عَلَيْهَا سَبْعُونَ حُلَّةً مَنْسُوجَةً بِالذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ،مُكَلَّلَةً بِالدُّرِّ وَ الْيَاقُوتِ وَ الزَّبَرْجَدِ،صِبْغُهُنَّ الْمِسْكُ وَ الْعَنْبَرُ بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، كَاعِبٌ مَقْطُومَةٌ [٢] خَمِيصَةٌ،يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً،طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً،وَ عَرْضُ مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ.فَإِذَا دَنَتْ مِنْ وَلِيِّ اللَّهِ أَقْبَلَ الْخُدَّامُ بِصَحَائِفِ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ.فِيهَا الدُّرُّ وَ الْيَاقُوتُ وَ الزَّبَرْجَدُ فَيَنْثُرُونَهَا عَلَيْهَا،ثُمَّ يُعَانِقُهَا وَ تُعَانِقُهُ،لاَ يَمَلُّ وَ لاَ تَمَلُّ».
قَالَ:ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«أَمَّا الْجِنَانُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْكِتَابِ،فَإِنَّهُنَّ:جَنَّةُ عَدْنٍ،وَ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ،وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ،وَ جَنَّةُ الْمَأْوَى-قَالَ-وَ إِنَّ لِلَّهِ جِنَاناً مَحْفُوفَةً بِهَذِهِ الْجِنَانِ،وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَكُونُ لَهُ مِنَ الْجِنَانِ مَا أَحَبَّ،وَ اشْتَهَى، يَتَنَعَّمُ فِيهِنَّ كَيْفَ شَاءَ،وَ إِذَا أَرَادَ الْمُؤْمِنُ شَيْئاً [٣] إِنَّمَا دَعْوَاهُ فِيهَا-إِذَا أَرَادَ-أَنْ يَقُولَ: سُبْحٰانَكَ اللّٰهُمَّ [٤]،فَإِذَا قَالَهَا تَبَادَرَتْ إِلَيْهِ الْخَدَمُ بِمَا اشْتَهَى،مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ طَلَبَهُ مِنْهُمْ أَوْ أَمَرَ بِهِ،وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: دَعْوٰاهُمْ فِيهٰا سُبْحٰانَكَ اللّٰهُمَّ وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيهٰا سَلاٰمٌ [٥]يَعْنِي الْخُدَّامَ،قَالَ: وَ آخِرُ دَعْوٰاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ [٦]يَعْنِي بِذَلِكَ:عِنْدَ مَا يَقْضُونَ مِنْ لَذَّاتِهِمْ،مِنَ الْجِمَاعِ وَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَ
[١] الإنسان ٧٦:١٤.
[٢] القطم:شهوة اللحم و الضراب و النكاح.«لسان العرب-قطم-١٢:٤٨٨».
[٣] في المصدر زيادة أو أشتهى.
[٤] يونس ١٠:١٠.
[٥] يونس ١٠:١٠.
[٦] يونس ١٠:١٠.