البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤١٤ - النحل آيه ٢٥-٢٠
خَزَائِنِ عِلْمِ اللَّهِ وَ سِرِّهِ،أَخْبِرْنِي-يَا إِبْرَاهِيمُ-كَيْفَ تَجِدُ اعْتِقَادَهُمَا؟».
قُلْتُ:يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،أَجِدُ مُحِبِّيكُمْ وَ شِيعَتَكُمْ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِمَّا وَصَفْتُهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ،لَوْ أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ ذَهَباً وَ فِضَّةً أَنْ يَزُولَ عَنْ وَلاَيَتِكُمْ وَ مَحَبَّتِكُمْ إِلَى مُوَالاَةِ غَيْرِكُمْ وَ مَحَبَّتِهِمْ،مَا زَالَ،وَ لَوْ ضُرِبَتْ خَيَاشِيمُهُ بِالسُّيُوفِ فِيكُمْ،وَ لَوْ قُتِلَ فِيكُمْ مَا ارْتَدَعَ وَ لاَ رَجَعَ عَنْ مَحَبَّتِكُمْ وَ وَلاَيَتِكُمْ.وَ أَرَى النَّاصِبَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِمَّا وَصَفْتُهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ،لَوْ أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ ذَهَباً وَ فِضَّةً أَنْ يَزُولَ عَنْ مَحَبَّةِ الطَّوَاغِيتِ وَ مُوَالاَتِهِمْ إِلَى مُوَالاَتِكُمْ،مَا فَعَلَ وَ لاَ زَالَ،وَ لَوْ ضُرِبَتْ خَيَاشِيمُهُ بِالسُّيُوفِ فِيهِمْ،وَ لَوْ قُتِلَ فِيهِمْ،مَا ارْتَدَعَ وَ لاَ رَجَعَ، وَ إِذَا سَمِعَ أَحَدُهُمْ مَنْقَبَةً لَكُمْ وَ فَضْلاً اشْمَأَزَّ مِنْ ذَلِكَ وَ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ،وَ رُؤِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ،بُغْضاً لَكُمْ وَ مَحَبَّةً لَهُمْ.
قَالَ:فَتَبَسَّمَ الْبَاقِرُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،ثُمَّ قَالَ:«يَا إِبْرَاهِيمُ،هَاهُنَا هَلَكَتِ الْعَامِلَةُ النَّاصِبَةُ،تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً،تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ،وَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ قَدِمْنٰا إِلىٰ مٰا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنٰاهُ هَبٰاءً مَنْثُوراً [١]وَيْحَكَ-يَا إِبْرَاهِيمُ-أَ تَدْرِي مَا السَّبَبُ وَ الْقِصَّةُ فِي ذَلِكَ،وَ مَا الَّذِي قَدْ خَفِيَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ»؟ قُلْتُ:يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،فَبَيِّنْهُ لِي وَ اشْرَحْهُ وَ بَرْهِنْهُ.
قَالَ:«يَا إِبْرَاهِيمُ،إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ عَالِماً قَدِيماً،خَلَقَ الْأَشْيَاءَ لاَ مِنْ شَيْءٍ،وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ كَفَرَ،لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ الْأَشْيَاءَ قَدِيماً مَعَهُ فِي أَزَلِيَّتِهِ وَ هُوِيَّتِهِ،كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أَزَلِيّاً،بَلْ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لاَ مِنْ شَيْءٍ،فَكَانَ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَرْضاً طَيِّبَةً،ثُمَّ فَجَّرَ مِنْهَا مَاءً عَذْباً زُلاَلاً،فَعَرَضَ عَلَيْهَا وَلاَيَتَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَقَبِلَتْهَا،فَأَجْرَى ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ فَطَبَّقَهَا [٢] وَ عَمَّهَا،ثُمَّ نَضَبَ ذَلِكَ الْمَاءُ عَنْهَا،فَأَخَذَ مِنْ صَفْوَةِ ذَلِكَ الطِّينِ طِيناً،فَجَعَلَهُ طِينَ الْأَئِمَّةِ(عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)،ثُمَّ أَخَذَ ثُفْلَ [٣] ذَلِكَ الطِّينِ،فَخَلَقَ مِنْهُ شِيعَتَنَا،وَ لَوْ تَرَكَ طِينَتَكُمْ-يَا إِبْرَاهِيمُ-عَلَى حَالِهَا كَمَا تَرَكَ طِينَتَنَا،لَكُنْتُمْ وَ نَحْنُ شَيْئاً وَاحِداً».
قُلْتُ:يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،فَمَا فَعَلَ بِطِينَتِنَا؟ قَالَ:«أُخْبِرُكَ-يَا إِبْرَاهِيمُ-خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْضاً سَبِخَةً خَبِيثَةً مُنْتِنَةً،ثُمَّ فَجَّرَ مِنْهَا مَاءً أُجَاجاً آسِناً [٤] مَالِحاً،فَعَرَضَ عَلَيْهَا وَلاَيَتَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ،فَلَمْ تَقْبَلْهَا،فَأَجْرَى ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى طَبَّقَهَا وَ عَمَّهَا، ثُمَّ نَضَبَ ذَلِكَ الْمَاءُ عَنْهَا،ثُمَّ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ الطِّينِ،فَخَلَقَ مِنْهُ الطُّغَاةَ وَ أَئِمَّتَهُمْ،ثُمَّ مَزَجَهُ بِثُفْلِ طِينَتِكُمْ،وَ لَوْ تَرَكَ طِينَتَهُمْ عَلَى حَالِهَا وَ لَمْ يَمْزُجْ بِطِينَتِكُمْ لَمْ يَشْهَدُوا الشَّهَادَتَيْنِ،وَ لاَ صَلَّوْا وَ لاَ صَامُوا وَ لاَ زَكَّوْا وَ لاَ حَجُّوا وَ لاَ أَدَّوْا
[١] الفرقان ٢٥:٢٣.
[٢] طبقها:غشاها و عمّها.«المعجم الوسيط-طبق-٢:٥٥٠».
[٣] الثّفل:ما استقرّ تحت الماء و نحوه من كدر.«المعجم الوسيط-ثفل-١:٩٧».
[٤] في«س»:منتنا.