البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٨٦ - الإسراء آيه ٩٥-٩٠
رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يُنَاظِرُهُمْ إِذَا عَانَتُوهُ وَ يُحَاجُّهُمْ؟ قَالَ:بَلَى،مِرَاراً كَثِيرَةً:مِنْهَا مَا حَكَى اللَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَ قٰالُوا مٰا لِهٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعٰامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْوٰاقِ لَوْ لاٰ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ إِلَى قَوْلِهِ: مَسْحُوراً [١]وَ قٰالُوا لَوْ لاٰ نُزِّلَ هٰذَا الْقُرْآنُ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [٢]وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إِلَى قَوْلِهِ كِتٰاباً نَقْرَؤُهُ .
ثُمَّ قِيلَ لَهُ فِي آخِرِ ذَلِكَ:لَوْ كُنْتَ نَبِيّاً كَمُوسَى لَنَزَلَتْ عَلَيْنَا الصَّاعِقَةُ فِي مَسْأَلَتِنَا إِيَّاكَ،لِأَنَّ مَسْأَلَتَنَا أَشَدُّ مِنْ مَسَائِلِ [٣] قَوْمِ مُوسَى لِمُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،قَالَ:وَ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)كَانَ قَاعِداً ذَاتَ يَوْمٍ بِمَكَّةَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ مِنْهُمُ:اَلْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ،وَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ،وَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ،وَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ،وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ،وَ جَمْعٌ مِمَّنْ يَلِيهِمْ كَثِيرٌ،وَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ كِتَابَ اللَّهِ،وَ يُؤَدِّي إِلَيْهِمْ [٤] عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَ نَهْيَهُ.فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:لَقَدِ اسْتَفْحَلَ أَمْرُ مُحَمَّدٍ وَ عَظُمَ خَطْبُهُ،فَتَعَالَوْا نَبْدَأْ بِتَقْرِيعِهِ وَ تَبْكِيتِهِ وَ تَوْبِيخِهِ،وَ الاِحْتِجَاجِ عَلَيْهِ، وَ إِبْطَالِ مَا جَاءَ بِهِ،لِيَهُونَ خَطْبُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ،وَ يَصْغُرَ قَدْرُهُ عِنْدَهُمْ،فَلَعَلَّهُ يَنْزِعُ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ غَيِّهِ وَ بَاطِلِهِ وَ تَمَرُّدِهِ وَ طُغْيَانِهِ،فَإِنِ انْتَهَى وَ إِلاَّ عَامَلْنَاهُ بِالسَّيْفِ الْبَاتِرِ.
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ:فَمَنْ ذَا الَّذِي يَلِي كَلاَمَهُ وَ مُجَادَلَتَهُ [٥]؟قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ:أَنَا لِذَلِكَ أَ مَا تَرْضَانِي لَهُ قِرْناً [٦] حَسِيباً،وَ مُجَادِلاً [٧] كَفِيّاً؟قَالَ أَبُو جَهْلٍ:بَلَى،فَأَتَوْهُ بِأَجْمَعِهِمْ،فَابْتَدَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ،فَقَالَ:يَا مُحَمَّدُ،لَقَدِ ادَّعَيْتَ دَعْوًى عَظِيمَةً،وَ قُلْتَ مَقَالاً هَائِلاً،زَعَمْتَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَ مَا يَنْبَغِي لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَ خَالِقِ الْخَلْقِ[أَجْمَعِينَ]أَنْ يَكُونَ مِثْلُكَ رَسُولاً لَهُ،بَشَرٌ مِثْلُنَا تَأْكُلُ كَمَا نَأْكُلُ وَ تَشْرَبُ كَمَا نَشْرَبُ،وَ تَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ كَمَا نَمْشِي،فَهَذَا مَلِكُ الرُّومِ وَ هَذَا مَلِكُ الْفُرْسِ لاَ يَبْعَثَانِ رَسُولاً إِلاَّ كَثِيرَ مَالٍ،عَظِيمَ حَالٍ،لَهُ قُصُورٌ وَ دُورٌ [٨] وَ فَسَاطِيطُ وَ خِيَامٌ وَ عَبِيدٌ وَ خَدَمٌ،وَ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَوْقَ هَؤُلاَءِ كُلِّهِمْ أَجْمَعِينَ فَهُمْ عَبِيدُهُ،وَ لَوْ كُنْتَ نَبِيّاً لَكَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يُصَدِّقُكَ وَ نُشَاهِدُهُ،بَلْ وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْنَا نَبِيّاً لَكَانَ إِنَّمَا يَبْعَثُ إِلَيْنَا مَلَكاً لاَ بَشَراً مِثْلَنَا،مَا أَنْتَ-يَا مُحَمَّدُ-إِلاَّ مَسْحُوراً وَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):هَلْ بَقِيَ مِنْ كَلاَمِكَ شَيْءٌ؟قَالَ:بَلَى،لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْنَا رَسُولاً لَبَعَثَ
[١] الفرقان ٢٥:٧-٨.
[٢] الزخرف ٤٣:٣١.
[٣] في المصدر:مسألة.
[٤] في«ط»:و يذكّرهم.
[٥] في«ط»:و محاورته.
[٦] القِرْن للإنسان:مثله في الشجاعة و الشدّة و العلم و القتال و غير ذلك.و في«ط»:قويّا.
[٧] في نسخة من«ط»:و محاورا.
[٨] في المصدر زيادة:و بساتين.