البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٩٣ - الإسراء آيه ٩٥-٩٠
عَلَيْهِمَا،فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ.يَا إِبْرَاهِيمُ،اكْفُفْ دَعْوَتَكَ عَنْ عِبَادِي وَ إِمَائِي،أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ،الْجَبَّارُ [١] الْحَلِيمُ، لاَ تَضُرُّنِي ذُنُوبُ عِبَادِي،كَمَا لاَ تَنْفَعُنِي طَاعَتُهُمْ،وَ لَسْتُ أَسُوسُهُمْ بِشِفَاءِ الْغَيْظِ كَسِيَاسَتِكَ،فَاكْفُفْ دَعْوَتَكَ عَنْ عِبَادِي وَ إِمَائِي فَإِنَّمَا أَنْتَ عَبْدٌ نَذِيرٌ،لاَ شَرِيكٌ لِي فِي الْمَمْلِكَةِ،وَ لاَ مُهَيْمِنٌ عَلَيَّ،وَ لاَ عَلَى عِبَادِي،وَ عِبَادِي مَعِي بَيْنَ خِلاَلٍ ثَلاَثٍ:إِمَّا أَنْ تَابُوا إِلَيَّ فَتُبْتُ عَلَيْهِمْ وَ غَفَرْتُ ذُنُوبَهُمْ وَ سَتَرْتُ عُيُوبَهُمْ،وَ إِمَّا كَفَفْتُ عَنْهُمْ عَذَابِي لِعِلْمِي بِأَنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ،ذُرِّيَّاتٌ مُؤْمِنُونَ [٢]،فَأَرْفُقُ بِالْآبَاءِ الْكَافِرِينَ،وَ أَتَأَنَّى بِالْأُمَّهَاتِ الْكَافِرَاتِ،فَأَرْفَعُ عَذَابِي عَنْهُمْ لِيَخْرُجَ ذَلِكَ الْمُؤْمِنُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ،فَإِذَا تَزَايَلُوا حَلَّ بِهِمْ عَذَابِي،وَ حَاقَ بِهِمْ بَلاَئِي،فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا وَ لاَ هَذَا فَإِنَّ الَّذِي أَعْدَدْتُهُ لَهُمْ مِنْ عَذَابِي أَعْظَمُ مِمَّا تُرِيدُهُ بِهِمْ،فَإِنَّ عَذَابِي لِعِبَادِي عَلَى حَسَبِ جَلاَلِي وَ كِبْرِيَائِي.يَا إِبْرَاهِيمُ،خَلِّ بَيْنِي وَ بَيْنَ عِبَادِي فَإِنِّي أَرْحَمُ بِهِمْ مِنْكَ،وَ خَلِّ بَيْنِي وَ بَيْنَ عِبَادِي فَإِنِّي أَنَا الْجَبَّارُ الْحَلِيمُ الْعَلاَّمُ الْحَكِيمُ،أُدَبِّرُهُمْ بِعِلْمِي وَ أُنَفِّذُ فِيهِمْ قَضَائِي وَ قَدَرِي.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى-يَا أَبَا جَهْلٍ-إِنَّمَا دَفَعَ عَنْكَ الْعَذَابَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِكَ ذُرِّيَّةٌ طَيِّبَةٌ،عِكْرِمَةُ [٣] ابْنُكَ،وَ سَيَلِي مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مَا إِنْ،أَطَاعَ اللَّهَ فِيهِ،كَانَ عِنْدَ اللَّهِ جَلِيلاً،وَ إِلاَّ فَالْعَذَابُ نَازِلٌ عَلَيْكَ،وَ كَذَلِكَ سَائِرُ قُرَيْشٍ السَّائِلِينَ،لَمَّا سَأَلُوا مِنْ هَذَا،إِنَّمَا أُمْهِلُوا لِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ سَيُؤْمِنُ بِمُحَمَّدٍ،وَ يَنَالُ بِهِ السَّعَادَةَ،فَهُوَ تَعَالَى لاَ يَقْتَطِعُهُ عَنْ تِلْكَ السَّعَادَةِ وَ لاَ يَبْخَلُ بِهَا عَلَيْهِ،أَوْ مَنْ يُولَدُ مِنْهُ مُؤْمِنٌ فَهُوَ يُنْظِرُ أَبَاهُ لِإِيصَالِ ابْنِهِ إِلَى السَّعَادَةِ،وَ لَوْ لاَ ذَلِكَ لَنَزَلَ الْعَذَابُ بِكَافَّتِكُمْ،فَانْظُرْ نَحْوَ السَّمَاءِ،فَنَظَرَ فَإِذَا أَبْوَابُهَا مُفَتَّحَةٌ،وَ إِذَا النِّيرَانُ نَازِلَةٌ مِنْهَا مُسَامِتَةً [٤] لِرُءُوسِ الْقَوْمِ تَدْنُو مِنْهُمْ،حَتَّى وَجَدُوا حَرَّهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ،فَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُ أَبِي جَهْلٍ وَ الْجَمَاعَةِ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):لاَ تَرُوعَنَّكُمْ،فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُهْلِكُكُمْ بِهَا،وَ إِنَّمَا أَظْهَرَهَا عِبْرَةً؛ثُمَّ نَظَرُوا فَإِذَا قَدْ خَرَجَ مِنْ ظُهُورِ الْجَمَاعَةِ أَنْوَارٌ قَابَلَتْهَا وَ رَفَعَتْهَا وَ دَفَعَتْهَا حَتَّى أَعَادَتْهَا فِي السَّمَاءِ كَمَا جَاءَتْ مِنْهَا.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):بَعْضُ هَذِهِ الْأَنْوَارِ أَنْوَارُ مَنْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيُسْعِدُهُ بِالْإِيمَانِ بِي مِنْكُمْ مِنْ بَعْدُ،بَعْضُهَا أَنْوَارُ ذُرِّيَّةٍ طَيِّبَةٍ سَتَخْرُجُ مِنْ بَعْضِكُمْ مِمَّنْ لاَ يُؤْمِنُ وَ هُمْ يُؤْمِنُونَ».
٩٩-/٦٥٦١ _٢- عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ(رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَا)،وَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ،فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ اسْتَقْبَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ،فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ،وَ كَانَتْ أُخْتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ
[١] في المصدر:الحنّان.
[٢] في«س»:يؤمنون.
[٣] عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي القريشي،من صناديد قريش في الجاهلية و الإسلام.كان هو و أبوه من أشدّ الناس عداوة للنبيّ(صلّى اللّه عليه و آله)،و أسلم عكرمة بعد فتح مكّة،فشهد الوقائع،و ولي الأعمال،و قتل في اليرموك أو يوم برج الصفر،سنة ١٣: ه.الطبقات الكبرى ٧:٤٠٤،صفة الصفوة ١:١١١/٧٣٠،سير أعلام النبلاء ١:٦٦/٣٢٣،الإصابة ٢:٤٩٦.
[٤] سامته مسامتة:قابله و وازاه.«تاج العروس-سمت-١:٥٥٥».