البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٩٢ - الإسراء آيه ٩٥-٩٠
يَأْتُوهُمْ عَنْكَ بِعَلاَمَةٍ صَحِيحَةٍ تَدُلُّهُمْ عَلَى صِدْقِهِمْ فَيَجِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُمْ؟قَالَ:بَلَى،قَالَ:يَا عَبْدَ اللَّهِ،أَ رَأَيْتَ سَفِيرَكَ لَوْ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ مِنْهُمْ هَذَا عَادَ إِلَيْكَ وَ قَالَ قُمْ مَعِي فَإِنَّهُمْ قَدِ اقْتَرَحُوا عَلَيَّ مَجِيئَكَ،أَ لَيْسَ يَكُونُ لَكَ مُخَالِفاً، وَ تَقُولُ لَهُ:إِنَّمَا أَنْتَ رَسُولٌ،لاَ مُشِيرٌ وَ لاَ آمِرٌ [١]؟قَالَ:بَلَى،قَالَ:كَيْفَ صِرْتَ تَقْتَرِحُ عَلَى رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا لاَ تُسَوِّغُ لِأَكَرَتِكَ وَ مُعَامِلِيكَ أَنْ يَقْتَرِحُوهُ عَلَى رَسُولِكَ إِلَيْهِمْ،وَ كَيْفَ أَرَدْتَ مِنْ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا لاَ تُسَوِّغُ لِأَكَرَتِكَ [٢] وَ قُوَّامِكَ؟هَذِهِ حِجَّةٌ قَاطِعَةٌ لِإِبْطَالِ جَمِيعِ مَا ذَكَرْتَهُ فِي كُلِّ مَا اقْتَرَحْتَهُ،يَا عَبْدَ اللَّهِ.
وَ أَمَّا قَوْلُكَ،يَا عَبْدَ اللَّهِ:أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ-وَ هُوَ الذَّهَبُ-أَ مَا بَلَغَكَ أَنَّ لِعَظِيمِ مِصْرَ بُيُوتاً مِنْ زُخْرُفٍ؟قَالَ:بَلَى،قَالَ:أَ فَصَارَ بِذَلِكَ نَبِيّاً؟قَالَ:لاَ،قَالَ:فَكَذَلِكَ لاَ يُوجِبُ ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ-لَوْ كَانَ لَهُ-نُبُوَّةً،وَ مُحَمَّدٌ لاَ يَغْتَنِمُ جَهْلَكَ بِحُجَجِ اللَّهِ.
وَ أَمَّا قَوْلُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ:أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ،ثُمَّ قُلْتَ:وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ،يَا عَبْدَ اللَّهِ، الصُّعُودُ إِلَى السَّمَاءِ أَصْعَبُ مِنَ النُّزُولِ عَنْهَا،وَ إِذَا اعْتَرَفْتَ عَلَى نَفْسِكَ أَنَّكَ لاَ تُؤْمِنُ إِذَا صَعِدْتُ،فَكَذَلِكَ حُكْمُ النُّزُولِ،ثُمَّ قُلْتَ:حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ،وَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ،لاَ أَدْرِي أُؤْمِنُ بِكَ أَوْ لاَ أُؤْمِنُ بِكَ؛فَأَنْتَ-يَا عَبْدَ اللَّهِ- مُقِرٌّ بِأَنَّكَ تُعَانِدُ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْكَ،فَلاَ دَوَاءَ لَكَ إِلاَّ تَأْدِيبُهُ[لَكَ]عَلَى يَدِ أَوْلِيَائِهِ مِنَ الْبَشَرِ أَوْ مَلاَئِكَتِهِ الزَّبَانِيَةِ،وَ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيَّ كَلِمَةً [٣] جَامِعَةً لِبُطْلاَنِ كُلِّ مَا اقْتَرَحْتَهُ،فَقَالَ تَعَالَى قُلْ يَا مُحَمَّدُ سُبْحٰانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّٰ بَشَراً رَسُولاً ؟مَا أَبْعَدَ رَبِّي عَنْ أَنْ يَفْعَلَ الْأَشْيَاءَ عَلَى قَدْرِ مَا يَقْتَرِحُهُ الْجُهَّالُ بِمَا يَجُوزُ وَ بِمَا لاَ يَجُوزُ! هَلْ كُنْتُ إِلاّٰ بَشَراً رَسُولاً لاَ يَلْزَمُنِي إِلاَّ إِقَامَةُ حُجَّةِ اللَّهِ الَّتِي أَعْطَانِي،وَ لَيْسَ لِي أَنْ آمُرَ عَلَى رَبِّي وَ أَنْهَى وَ لاَ أُشِيرَ،فَأَكُونَ كَالرَّسُولِ الَّذِي بَعَثَهُ [٤] مَلِكٌ إِلَى قَوْمٍ مِنْ مُخَالِفِيهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ مَا اقْتَرَحُوهُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ:يَا مُحَمَّدُ هَاهُنَا وَاحِدَةٌ:أَ لَسْتَ زَعَمْتَ أَنَّ قَوْمَ مُوسَى احْتَرَقُوا بِالصَّاعِقَةِ لَمَّا سَأَلُوهُ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً؟قَالَ:بَلَى؛قَالَ:وَ لَوْ كُنْتَ نَبِيّاً لاَحْتَرَقْنَا نَحْنُ أَيْضاً،فَقَدْ سَأَلْنَا أَشَدَّ مِمَّا قَالَ [٥] قَوْمُ مُوسَى،لِأَنَّهُمْ قَالُوا:أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً؛وَ نَحْنُ قُلْنَا:لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً نُعَايِنُهُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يَا أَبَا جَهْلٍ،أَ وَ مَا عَلِمْتَ قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)لَمَّا رُفِعَ فِي الْمَلَكُوتِ، وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [٦]قَوَّى اللَّهُ بَصَرَهُ لَمَّا رَفَعَهُ دُونَ السَّمَاءِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْأَرْضِ وَ مَنْ عَلَيْهَا ظَاهِرِينَ وَ مُسْتَتِرِينَ،فَرَأَى رَجُلاً وَ امْرَأَةً عَلَى فَاحِشَةٍ،فَدَعَا عَلَيْهِمَا بِالْهَلاَكِ فَهَلَكَا،ثُمَّ رَأَى آخَرَيْنِ،فَدَعَا عَلَيْهِمَا بِالْهَلاَكِ فَهَلَكَا،ثُمَّ رَأَى آخَرَيْنِ،فَهَمَّ بِالدُّعَاءِ
[١] في«ط»رسول مبشر مأمور.
[٢] في المصدر:رسول ربّ العالمين أن يستذم إلى ربّه بأن يأمر عليه و ينهى،و أن لا تسوّغ مثل هذا لرسولك إلى أكرتك.
[٣] في المصدر:حكمة.
[٤] في«س»:يبعثه.
[٥] في المصدر:سأل.
[٦] الأنعام ٦:٧٥.