البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٩ - يونس آيه ٩٨
سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ،فَأَخْرَجَهُ الْحُوتُ إِلَى السَّاحِلِ،ثُمَّ قَذَفَهُ فَأَلْقَاهُ بِالسَّاحِلِ،وَ أَنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ-وَ هُوَ الْقَرْعُ-فَكَانَ يَمَصُّهُ وَ يَسْتَظِلُّ بِهِ وَ بِوَرَقِهِ،وَ كَانَ تَسَاقَطَ شَعْرُهُ وَ رَقَّ جِلْدُهُ.
وَ كَانَ يُونُسُ يُسَبِّحُ وَ يَذْكُرُ اللَّهَ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ،فَلَمَّا أَنْ قَوِيَ وَ اشْتَدَّ بَعَثَ اللَّهُ دُودَةً،فَأَكَلَتْ أَسْفَلَ الْقَرْعِ فَذَبَلَتِ الْقَرْعَةُ ثُمَّ يَبِسَتْ،فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى يُونُسَ،فَظَلَّ حَزِيناً،فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ:مَا لَكَ حَزِيناً،يَا يُونُسُ،قَالَ:يَا رَبِّ،هَذِهِ الشَّجَرَةُ الَّتِي كَانَتْ تَنْفَعُنِي سَلَّطْتَ عَلَيْهَا دُودَةً فَيَبِسَتْ،فَقَالَ:يَا يُونُسُ،أَ حَزِنْتَ لِشَجَرَةٍ لَمْ تَزْرَعْهَا وَ لَمْ تَسْقِهَا وَ لَمْ تَعْيَ [١] بِهَا أَنْ يَبِسَتْ حِينَ اسْتَغْنَيْتَ عَنْهَا وَ لَمْ تَجْزَعْ لِمِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [٢] أَرَدْتَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ؟!إِنَّ أَهْلَ نَيْنَوَى قَدْ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا فَارْجِعْ إِلَيْهِمْ.
فَانْطَلَقَ يُونُسُ إِلَى قَوْمِهِ،فَلَمَّا دَنَا مِنْ نَيْنَوَى اسْتَحْيَا أَنْ يَدْخُلَ،فَقَالَ لِرَاعٍ لَقِيَهُ:اِئْتِ أَهْلَ نَيْنَوَى فَقُلْ لَهُمْ:إِنَّ هَذَا يُونُسُ قَدْ جَاءَ.قَالَ الرَّاعِي أَ تَكْذِبُ،أَ مَا تَسْتَحْيِي،وَ يُونُسُ قَدْ غَرِقَ فِي الْبَحْرِ وَ ذَهَبَ.قَالَ لَهُ يُونُسُ:إِنْ نَطَقَتِ الشَّاةُ بِأَنِّي يُونُسُ،قَبِلْتَ مِنِّي؟فَقَالَ الرَّاعِي:بَلَى.قَالَ يُونُسُ:اَللَّهُمَّ أَنْطِقْ هَذِهِ الشَّاةَ حَتَّى تَشْهَدَ لَهُ بِأَنِّي يُونُسُ فَأُنْطِقَتِ [٣] الشَّاةُ لَهُ بِأَنَّهُ يُونُسُ.
فَلَمَّا أَتَى الرَّاعِي قَوْمَهُ وَ أَخْبَرَهُمْ،أَخَذُوهُ وَ هَمُّوا بِضَرْبِهِ،فَقَالَ:إِنَّ لِي بَيِّنَةً لِمَا أَقُولُ.قَالُوا:مَنْ يَشْهَدُ؟قَالَ:
هَذِهِ الشَّاةُ تَشْهَدُ.فَشَهِدَتْ بِأَنَّهُ صَادِقٌ وَ أَنَّ يُونُسَ قَدْ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ،فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَهُ،فَوَجَدُوهُ فَجَاءُوا بِهِ،وَ آمَنُوا وَ حَسُنَ إِيمَانُهُمْ،فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ إِلَى حِينٍ وَ هُوَ الْمَوْتُ،وَ أَجَارَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ».
٩٩-/٤٩٨١ _٦- الْعَيَّاشِيُّ:عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ،عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،قَالَ:سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «وَجَدْنَا فِي بَعْضِ كُتُبِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،قَالَ:حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَنَّ جَبْرَئِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)حَدَّثَهُ أَنَّ يُونُسَ بْنَ مَتَّى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ وَ هُوَ ابْنُ ثَلاَثِينَ سَنَةً،وَ كَانَ رَجُلاً تَعْتَرِيهِ الْحِدَّةُ وَ كَانَ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَلَى قَوْمِهِ وَ الْمُدَارَاةِ لَهُمْ،عَاجِزاً عَمَّا حُمِّلَ مِنْ ثِقَلِ حَمْلِ أَوْقَارِ النُّبُوَّةِ وَ أَعْلاَمِهَا،وَ أَنَّهُ تَفَسَّخَ تَحْتَهَا كَمَا يَتَفَسَّخُ الْجَذَعُ تَحْتَ حَمْلِهِ [٤].
وَ أَنَّهُ أَقَامَ فِيهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَ التَّصْدِيقِ بِهِ وَ اتِّبَاعِهِ ثَلاَثاً وَ ثَلاَثِينَ سَنَةً،فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ وَ لَمْ يَتَّبِعْهُ مِنْ قَوْمِهِ إِلاَّ رَجُلاَنِ اسْمُ أَحَدِهِمَا رُوبِيلُ،وَ اسْمُ الْآخَرِ تَنُوخَا،وَ كَانَ رُوبِيلُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْعِلْمِ وَ النُّبُوَّةِ وَ الْحِكْمَةِ،وَ كَانَ قَدِيمَ الصُّحْبَةِ لِيُونُسَ بْنِ مَتَّى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ.وَ كَانَ تَنُوخَا رَجُلاً مُسْتَضْعَفاً عَابِداً زَاهِداً،مُنْهَمِكاً فِي الْعِبَادَةِ،وَ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَ لاَ حُكْمٌ،وَ كَانَ رُوبِيلُ صَاحِبَ غَنَمٍ يَرْعَاهَا وَ يَتَقَوَّتُ مِنْهَا،وَ كَانَ تَنُوخَا رَجُلاً حَطَّاباً يَحْتَطِبُ عَلَى رَأْسِهِ،وَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ.وَ كَانَ لِرُوبِيلَ مَنْزِلَةً مِنْ يُونُسَ غَيْرَ مَنْزِلَةِ تَنُوخَا،لِعِلْمِ رُوبِيلَ وَ حِكْمَتِهِ وَ قَدِيمِ صُحْبَتِهِ.
[١] في«ط»:و لم تعبأ.
[٢] في المصدر:و لم تحزن لأهل نينوى أكثر من مائة ألف.
[٣] في المصدر:و ذهب.قال له:اللّهمّ إنّ هذه الشاة تشهد لك أنّي يونس.فنطقت.
[٤] الجذع:الشاب من الإبل،و الكلام كناية عن عدم التحمّل لما يعرض لها.