البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٩٠ - الإسراء آيه ٩٥-٩٠
أَغْنَى وَاحِداً وَ وَضَعَهُ،ثُمَّ لَيْسَ لِهَذَا الْغَنِيِّ أَنْ يَقُولَ:هَلاَّ أُضِيفَ إِلَى يَسَارِي جَمَالُ فُلاَنٍ،وَ لاَ لِلْجَمِيلِ أَنْ يَقُولَ:هَلاَّ أُضِيفَ إِلَى جَمَالِي مَالُ فُلاَنٍ،وَ لاَ لِلشَّرِيفِ أَنْ يَقُولَ:هَلاَّ أُضِيفَ إِلَى شَرَفِي مَالُ فُلاَنٍ،وَ لاَ لِلْوَضِيعِ أَنْ يَقُولَ:هَلاَّ أُضِيفَ إِلَى ضَعَتِي شَرَفُ فُلاَنٍ،وَ لَكِنَّ الْحُكْمَ لِلَّهِ يَقْسِمُ كَيْفَ [١] يَشَاءُ وَ يَفْعَلُ كَيْفَ يَشَاءُ،وَ هُوَ حَكِيمٌ فِي أَفْعَالِهِ، مَحْمُودٌ فِي أَعْمَالِهِ،وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَ قٰالُوا لَوْ لاٰ نُزِّلَ هٰذَا الْقُرْآنُ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا [٢]، فَأَحْوَجْنَا بَعْضاً إِلَى بَعْضٍ وَ أَحْوَجْنَا هَذَا إِلَى مَالِ ذَاكَ،وَ أَحْوَجْنَا ذَاكَ إِلَى سِلْعَةِ هَذَا أَوْ إِلَى خِدْمَتِهِ،فَتَرَى أَجَلَّ الْمُلُوكِ وَ أَغْنَى الْأَغْنِيَاءِ مُحْتَاجاً إِلَى أَفْقَرِ الْفُقَرَاءِ فِي ضَرْبٍ مِنَ الضُّرُوبِ:إِمَّا سِلْعَةٍ مَعَهُ لَيْسَتْ مَعَهُ،وَ إِمَّا خِدْمَةٍ يَصْلُحُ لَهَا لاَ يَتَهَيَّأُ لِذَلِكَ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ،وَ إِمَّا بَابٍ مِنَ الْعُلُومِ وَ الْحِكَمِ هُوَ فَقِيرٌ إِلَى أَنْ يَسْتَفِيدَهَا مِنْ هَذَا الْفَقِيرِ،وَ هَذَا الْفَقِيرُ يَحْتَاجُ إِلَى مَالِ ذَلِكَ الْمَلِكِ الْغَنِيِّ،وَ ذَلِكَ الْمَلِكُ يَحْتَاجُ إِلَى عِلْمِ هَذَا الْفَقِيرِ أَوْ رَأْيِهِ أَوْ مَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ لَيْسَ لِلْمَلِكِ أَنْ يَقُولَ:هَلاَّ اجْتَمَعَ إِلَى مِلْكِي،وَ مَالِي عِلْمُهُ وَ رَأْيُهُ؟وَ لاَ لِذَلِكَ الْفَقِيرِ أَنْ يَقُولَ:هَلاَّ اجْتَمَعَ إِلَى رَأْيِي وَ عِلْمِي وَ مَا أَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ فُنُونِ الْحُكْمِ مَالُ هَذَا الْمَلِكِ الْغَنِيِّ؟ثُمَّ قَالَ: وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا [٣]ثُمَّ قَالَ:يَا مُحَمَّدُ،قُلْ لَهُمْ: وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّٰا يَجْمَعُونَ [٤]يَجْمَعُ هَؤُلاَءِ مِنْ أَمْوَالِ الدُّنْيَا.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):وَ أَمَّا قَوْلُكَ:لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً،إِلَى آخِرِ مَا قُلْتَهُ، فَإِنَّكَ اقْتَرَحْتَ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ أَشْيَاءَ:مِنْهَا مَا لَوْ جَاءَكَ بِهِ لَمْ يَكُنْ بُرْهَاناً لِنُبُوَّتِهِ،وَ رَسُولُ اللَّهِ يَرْتَفِعُ عَنْ أَنْ يَغْتَنِمَ جَهْلَ الْجَاهِلِينَ،وَ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا لاَ حُجَّةَ فِيهِ؛وَ مِنْهَا مَا لَوْ جَاءَكَ بِهِ لَكَانَ مَعَهُ هَلاَكُكَ،وَ إِنَّمَا يُؤْتَى بِالْحُجَجِ وَ الْبَرَاهِينِ لِيُلْزَمَ عِبَادُ اللَّهِ الْإِيمَانَ لاَ لِيَهْلِكُوا بِهَا،فَإِنَّمَا اقْتَرَحْتَ هَلاَكَكَ،وَ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ وَ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِهْم مِنْ أَنْ يُهْلِكَهُمْ كَمَا يَقْتَرِحُونَ،وَ مِنْهَا الْمُحَالُ الَّذِي لاَ يَصِحُّ وَ لاَ يَجُوزُ كَوْنُهُ،وَ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ يُعَرِّفُكَ ذَلِكَ،وَ يَقْطَعُ مَعَاذِيرَكَ،وَ يُضَيِّقُ عَلَيْكَ سَبِيلَ مُخَالَفَتِكَ،وَ يُلْجِئُكَ بِحُجَجِ اللَّهِ إِلَى تَصْدِيقِهِ حَتَّى لاَ يَكُونَ لَكَ عَنْهُ مَحِيدٌ وَ لاَ مَحِيصٌ؛وَ مِنْهَا مَا قَدِ اعْتَرَفْتَ عَلَى نَفْسِكَ أَنَّكَ فِيهِ مُعَانِدٌ مُتَمَرِّدٌ لاَ تَقْبَلُ حُجَّةً وَ لاَ تُصْغِي إِلَى بُرْهَانٍ،وَ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَدَوَاؤُهُ عَذَابُ اللَّهِ النَّازِلُ مِنْ سَمَائِهِ أَوْ فِي جَحِيمِهِ أَوْ بِسُيُوفِ أَوْلِيَائِهِ.
وَ أَمَّا قَوْلُكَ،يَا عَبْدَ اللَّهِ:لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً بِمَكَّةَ،فَإِنَّهَا ذَاتُ حِجَارَةٍ وَ صُخُورٍ وَ جِبَالٍ،تَكْسَحُ أَرْضَهَا وَ تَحْفِرُهَا تَجْرِي فِيهَا الْعُيُونَ فَإِنَّنَا إِلَى ذَلِكَ مُحْتَاجُونَ،فَإِنَّكَ سَأَلْتَ هَذَا وَ أَنْتَ جَاهِلٌ بِدَلاَئِلِ اللَّهِ تَعَالَى-يَا عَبْدَ اللَّهِ-أَ رَأَيْتَ لَوْ فَعَلْتُ هَذَا كُنْتُ مِنْ أَجْلِ هَذَا نَبِيّاً؟أَ رَأَيْتَ الطَّائِفَ الَّتِي لَكَ فِيهَا بَسَاتِينُ،أَ مَا كَانَ هُنَاكَ مَوَاضِعُ فَاسِدَةٌ صَعْبَةُ أَصْلَحْتَهَا وَ ذَلَّلْتَهَا وَ كَسَحْتَهَا وَ أَجْرَيْتَ فِيهَا عُيُوناً اسْتَنْبَطْتَهَا؟قَالَ:بَلَى،قَالَ:فَهَلْ لَكَ فِي
[١] في«س»و المصدر:كما.
[٢] الزخرف ٤٣:٣٢.
[٣] الزخرف ٤٣:٣٢.
[٤] الزخرف ٤٣:٣٢.