البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٤٢ - هود آيه ١١٤
فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ عِنْدَ مَا تُنَازِعُكُمْ إِلَيْهِ أَنْفُسُكُمْ مِنَ الشَّهَوَاتِ،وَ كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظاً،وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)كَثِيراً مَا يُوصِي أَصْحَابَهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ،فَيَقُولُ أَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ،فَإِنَّهُ هَادِمُ اللَّذَّاتِ،حَائِلٌ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الشَّهَوَاتِ.
يَا عِبَادَ اللَّهِ،مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِمَنْ لاَ يُغْفَرُ لَهُ أَشَدُّ مِنَ الْمَوْتِ،الْقَبْرَ،فَاحْذَرُوا ضِيقَهُ [١] وَ ضَنْكَهُ وَ ظُلْمَتَهُ وَ غُرْبَتَهُ،إِنَّ الْقَبْرَ يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ:أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ،أَنَا بَيْتُ التُّرَابِ،أَنَا بَيْتُ الْوَحْشَةِ،أَنَا بَيْتُ الدُّودِ وَ الْهَوَامِّ.وَ الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ،أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ،إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا دُفِنَ قَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ:مَرْحَباً وَ أَهْلاً،قَدْ كُنْتَ مِمَّنْ أُحِبُّ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِي،فَإِذَا وُلِّيتُكَ فَسَتَعْلَمُ كَيْفَ صُنْعِي بِكَ،فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ الْبَصَرِ،وَ إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا دُفِنَ قَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ:لاَ مَرْحَباً بِكَ وَ لاَ أَهْلاً،لَقَدْ كُنْتَ مِمَّنْ أُبْغِضُ أَنْ يَمْشِيَ [٢] عَلَى ظَهْرِي،فَإِذَا وُلِّيتُكَ فَسَتَعْلَمُ كَيْفَ صُنْعِي بِكَ،فَتَضُمُّهُ حَتَّى تَلْتَقِيَ أَضْلاَعُهُ.وَ إِنَّ الْمَعِيشَةَ الضَّنْكَ الَّتِي حَذَّرَ اللَّهُ مِنْهَا عَدُوَّهُ:عَذَابُ الْقَبْرِ،إِنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَى الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَةً وَ تِسْعِينَ تِنِّيناً،فَيَنْهَشْنَ لَحْمَهُ وَ يَكْسِرْنَ عَظْمَهُ،وَ يَتَرَدَّدْنَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُ،لَوْ أَنَّ تِنِّيناً مِنْهَا نَفَخَ فِي الْأَرْضِ لَمْ تُنْبِتْ زَرْعاً أَبَداً.
يَا عِبَادَ اللَّهِ،إِنَّ أَنْفُسَكُمُ الضَّعِيفَةَ وَ أَجْسَادَكُمُ النَّاعِمَةَ الرَّقِيقَةَ الَّتِي يَكْفِيهَا الْيَسِيرُ تَضْعُفُ عَنْ هَذَا،فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَجْزَعُوا لِأَجْسَادِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ مِمَّا لاَ طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ وَ لاَ صَبْرَ لَكُمْ عَلَيْهِ،فَاعْمَلُوا بِمَا أَحَبَّ اللَّهُ،وَ اتْرُكُوا مَا كَرِهَ اللَّهُ.
يَا عِبَادَ اللَّهِ،إِنَّ بَعْدَ الْبَعْثِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْقَبْرِ،يَوْمٌ يَشِيبُ فِيهِ الصَّغِيرُ،وَ يَسْكَرُ مِنْهُ الْكَبِيرُ،وَ يَسْقُطُ فِيهِ الْجَنِينُ، وَ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ،يَوْمٌ عَبُوسٌ قَمْطَرِيرٌ،يَوْمٌ كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً،إِنَّ فَزَعَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَيُرْهِبُ الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ لاَ ذَنْبَ لَهُمْ،وَ تُرْعَدُ [٣] مِنْهُ السَّبْعُ الشِّدَادُ،وَ الْجِبَالُ الْأَوْتَادُ،وَ الْأَرْضُ الْمِهَادُ،وَ تَنْشَقُّ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ،وَ تَتَغَيَّرُ فَكَأَنَّهَا وَرْدَةٌ كَالدِّهَانِ،وَ تَكُونُ الْجِبَالُ كَثِيباً [٤] مَهِيلاً بَعْدَ مَا كَانَتْ صُمّاً صِلاَباً،وَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَفْزَعُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ،فَكَيْفَ مَنْ عَصَى بِالسَّمْعِ وَ الْبَصَرِ وَ اللِّسَانِ وَ الْيَدِ وَ الرِّجْلِ وَ الْفَرْجِ وَ الْبَطْنِ،إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ وَ يَرْحَمْهُ [٥] مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ!لِأَنَّهُ يَقْضِي وَ يَصِيرُ إِلَى غَيْرِهِ،إِلَى نَارٍ قَعْرُهَا بَعِيدٌ،وَ حَرُّهَا شَدِيدٌ،وَ شَرَابُهَا صَدِيدٌ،وَ عَذَابُهَا جَدِيدٌ،وَ مَقَامِعُهَا حَدِيدٌ،لاَ يَفْتُرُ عَذَابُهَا،وَ لاَ يَمُوتُ سَاكِنُهَا،دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ،وَ لاَ يُسْمَعُ لِأَهْلِهَا دَعْوَةٌ.
وَ اعْلَمُوا-يَا عِبَادَ اللَّهِ-أَنَّ مَعَ هَذَا رَحْمَةَ اللَّهِ الَّتِي لاَ تَعْجِزُ عَنِ الْعِبَادِ،وَ جَنَّةً عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ،لاَ يَكُونُ مَعَهَا شَرٌّ أَبَداً،لَذَّاتُهَا لاَ تُمِلُّ،وَ مُجْتَمَعُهَا لاَ يَتَفَرَّقُ،سُكَّانُهَا قَدْ جَاوَرُوا الرَّحْمَنَ،وَ قَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِمُ الْغِلْمَانُ بِصِحَافٍ مِنَ الذَّهَبِ،فِيهَا الْفَاكِهَةُ وَ الرَّيْحَانُ.ثُمَّ اعْلَمْ-يَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ-أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ».وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ.
وَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْمُفِيدُ فِي(أَمَالِيهِ)،قَالَ:أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَيْشٍ الْكَاتِبُ،قَالَ:
أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ،قَالَ:أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ،قَالَ:حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ،قَالَ:حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ،عَنْ فُضَيْلِ بْنِ الْجَعْدِ،عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ،قَالَ:
لَمَّا وَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ مِصْرَ وَ أَعْمَالَهَا،كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَاباً،وَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ
[١] في المصدر:ضيهته.
[٢] في المصدر:من أبغض من يمشي.
[٣] في«س»و المصدر:و ترغب.
[٤] في المصدر:سرابا.
[٥] في الغارات زيادة:و اعلموا-عباد اللّه-أن ما بعد ذلك اليوم أشدّ و أدهى على من لم يغفر اللّه له.