البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٤١ - هود آيه ١١٤
أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ،وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: جَزٰاءً مِنْ رَبِّكَ عَطٰاءً حِسٰاباً [١]وَ قَالَ: فَأُولٰئِكَ لَهُمْ جَزٰاءُ الضِّعْفِ بِمٰا عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفٰاتِ آمِنُونَ [٢]فَارْغَبُوا فِي هَذَا يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ،وَ اعْمَلُوا لَهُ،وَ تَحَاضُّوا عَلَيْهِ.
وَ اعْلَمُوا-يَا عِبَادَ اللَّهِ-أَنَّ الْمُتَّقِينَ حَازُوا عَاجِلَ الْخَيْرِ وَ آجِلَهُ،وَ شَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ،وَ لَمْ يُشَارِكْهُمْ أَهْلُ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ،أَبَاحَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا مَا كَفَاهُمْ بِهِ وَ أَغْنَاهُمْ،قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا خٰالِصَةً يَوْمَ الْقِيٰامَةِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [٣]سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ،وَ أَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ،وَ شَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ فَأَكَلُوا مَعَهُمْ مِنْ طَيِّبَاتِ،مَا يَأْكُلُونَ،وَ شَرِبُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا يَشْرَبُونَ،وَ لَبِسُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَلْبَسُونَ،وَ سَكَنُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَسْكُنُونَ،وَ تَزَوَّجُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَتَزَوَّجُونَ،وَ رَكِبُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَرْكَبُونَ،أَصَابُوا لَذَّةَ الدُّنْيَا مَعَ أَهْلِ الدُّنْيَا،وَ هُمْ غَداً جِيرَانُ اللَّهِ تَعَالَى،يَتَمَنَّوْنَ عَلَيْهِ فَيُعْطِيهِمْ مَا يَتَمَنَّوْنَ،لاَ تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ،وَ لاَ يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ اللَّذَّةِ،فَإِلَى هَذَا-يَا عِبَادَ اللَّهِ-يَشْتَاقُ مَنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ،وَ يَعْمَلُ لَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ،وَ لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ.
يَا عِبَادَ اللَّهِ،إِنِ اتَّقَيْتُمْ وَ حَفِظْتُمْ نَبِيَّكُمْ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ فَقَدْ عَبَدْتُمُوهُ بِأَفْضَلِ مَا عُبِدَ،وَ ذَكَرْتُمُوهُ بِأَفْضَلِ مَا ذُكِرَ، وَ شَكَرْتُمُوهُ بِأَفْضَلِ مَا شُكِرَ،وَ أَخَذْتُمْ بِأَفْضَلِ الصَّبْرِ وَ الشُّكْرِ،وَ اجْتَهَدْتُمْ أَفْضَلَ الاِجْتِهَادِ وَ إِنْ كَانَ غَيْرُكُمْ أَطْوَلَ مِنْكُمْ صَلاَةً،وَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ صِيَاماً،فَأَنْتُمْ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُ،وَ أَنْصَحُ لِأُولِي الْأَمْرِ.
احْذَرُوا-يَا عِبَادَ اللَّهِ-اَلْمَوْتَ وَ سَكْرَتَهُ،فَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ،فَإِنَّهُ يَفْجَأُكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ،بِخَيْرٍ لاَ يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً، وَ بِشَرٍّ لاَ يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً،فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا؟وَ مَنْ أَقْرَبُ إِلَى النَّارِ مِنْ عَامِلِهَا؟إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ تُفَارِقُ رُوحُهُ جَسَدَهُ حَتَّى يَعْلَمَ إِلَى أَيِّ الْمَنْزِلَيْنِ يَصِيرُ:إِلَى الْجَنَّةِ،أَمْ إِلَى النَّارِ،أَ عَدُوٌّ هُوَ لِلَّهِ أَمْ وَلِيٌّ؟فَإِنْ كَانَ وَلِيّاً لِلَّهِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَ شُرِّعَتْ لَهُ طُرُقُهَا،وَ رَأَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِيهَا،فَفَرَغَ مِنْ كُلِّ شُغْلٍ،وَ وُضِعَ عَنْهُ كُلُّ ثِقْلٍ، وَ إِنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ النَّارِ،وَ شُرِّعَتْ لَهُ طُرُقُهَا،وَ نَظَرَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِيهَا،فَاسْتَقْبَلَ كُلَّ مَكْرُوهٍ،وَ تَرَكَ كُلَّ سُرُورٍ،كُلُّ هَذَا يَكُونُ عِنْدَ الْمَوْتِ،وَ عِنْدَهُ يَكُونُ بِيَقِينٍ،قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اَلَّذِينَ تَتَوَفّٰاهُمُ الْمَلاٰئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاٰمٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [٤]،وَ يَقُولُ: اَلَّذِينَ تَتَوَفّٰاهُمُ الْمَلاٰئِكَةُ ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مٰا كُنّٰا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلىٰ إِنَّ اللّٰهَ عَلِيمٌ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* فَادْخُلُوا أَبْوٰابَ جَهَنَّمَ خٰالِدِينَ فِيهٰا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [٥].
يَا عِبَادَ اللَّهِ،إِنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ مِنْهُ فَوْتٌ،فَاحْذَرُوهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ،وَ أَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ،فَإِنَّكُمْ طَرَائِدُ [٦] الْمَوْتِ،إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ،وَ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ،وَ هُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلِّكُمْ،الْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ،وَ الدُّنْيَا تُطْوَى خَلْفَكُمْ،
[١] النباء ٧٨:٣٦.
[٢] سبأ ٣٤:٣٧.
[٣] الأعراف ٧:٣٢.
[٤] النحل ١٦:٣٢.
[٥] النحل ١٦:٢٨-٢٩.
[٦] الطرائد:جمع طريدة،ما طردت من صيد و غيره.«لسان العرب-طرد-٣:٢٦٧».