محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٨ - الخطبة الأولى
وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ٨.
وحَشْرُ ما يدبّ، والطير والوحش ليس لمجرّد الاستعراض. إنّه يومٌ لا يدع توهّماً لأحد بأنّ مع الله ملكا، أو مع أمره أمرا، ومع نهيه نهيا، ومع تصرّفه تصرّفا، يوم تغيب فيه ملوكيّة كلّ ملك، وعظمة كل عظيم، وتظهر عظمة الله متجلية لكل مخلوق.
وهو يوم العدل الأكبر، والجزاء الحقّ الذي ينفي عن خلق الكون أيّ عبثية، وأيّ باطل وإهمال. وحسبما ينساق من وظيفة الحشر يوم القيام، وما يفيده سياق الآية الكريمة الثانية من ذكر المثلية بين عالم الحيوان وعالم الإنسان في صفة الأممية ٩ وما يعطيه هذا السياق من ربط بين هذا الثماثل وقضيّة الحشر، ومن عدم تفريط الكتاب في شيء، وعدم خروج شيء عنه وقد يكون المعنيُّ كتاب الأعمال وحفظها، وما يدل عليه لفظ يُحْشَرُونَ ١٠ المستعمل في ذوي الإدراك والشعور يكون المعنيُّ من الحشر في الآيتين الكريمتين الحشرَ للحساب والجزاء.
وعلمُ الله لا يخطئ كبيرا وصغيرا، ولا يتجاوزه ظاهرٌ ولا خفيّ، وعدله لا يُكلِّف نفسا إلا ما آتاها ١١، ولا يحاسبها إلا على قدر ما أنعم عليها، ولا يعاقبها إلا بما جنت على نفسها.
وكما للحيوان وزنه وحسابه، ويدخله التفاوت، فكذلك الإنسان ليس واحداً في مستواه ومواهبه ونِعَمِه وفرصه. وحسابُ كل على قدَره، ولا عقاب إلا بما يستحقّه.
ولنتذكّر أنّه رغم هول القيامة الذي لا تثبت له نفس ولا يتحمّله قلب، وتذهلُ له كلّ مرضعة عمّا أرضعت فإن هناك فئة من الناس في أمن مِنْ مسّ ذلك الهول، وفي راحة