محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٤٧ - الخطبة الثانية
والدّنيا كلّها إذا تقدّمت لماذا لا يبلغ قلق المسلمين من تقدّمها قلقهم من تقدّم يبدؤه هذا البلد المسلم أو ذاك؟ ولماذا الخوف المضاعَف، والاحتياط المبالغ فيه من أيّ شبهة تقدّمٍ في السلاح يملكه بلد مسلم بما لا يعدله خوف ولا احتياط من سلاح بلد آخر مدمِّر جاهز كسلاح إسرائل العدو الأول فيما كان؟ وهل تبدَّل وأصبح العدوُّ الأوّل الصديق الحميم؟!
عدم تقدّمنا أمة وشعوباً لأننا وُلِدنا جميعاً أغبياء؟ لأنّ الإسلام أكسبنا الغباء؟ ألأنّ الإسلام يسدّ أمامنا أبواب العلم؟ ألأنه يُعطّل حركتنا المثمرة؟ يدعونا إلى الشلل، يسمح لنا بالضعف؟ أمن قلّة عدد، شحّ موارد، خلفية تاريخيّة وضيعة ومتخلفة لا زالت تفرض سلبياتها النّفسيّةَ على الأمة بكل شعوبها؟ ألشيء من ذلك نحن نتأخّر؟!
لا شيء من ذلك يملك شيئاً من المنطقيّة والوجاهة والمصداقية أمام ما ينطق به واقع الإنسان، واقع الإسلام، واقع تاريخنا، عظمةُ حضارتنا.
الأمّة مبتلاة بداء الأنظمة المتخلّفة القمعيَّة، المستسلمة لإرادة الأجنبيّ، المتوجِّسة من شعوبها، المعادية لتقدّم هذه الشعوب وقوّتها. أنظمةٌ تشتري الولاء الذي يُبقي سوء الكرسي، واليدَ الباطشة التي تحمي ظلمه، والضميرَ الميّت الذي يُبارك بغيه، واللسان السليط الذي يشتم معارضيه بأعلى وأغلى الأثمان، ويُهْمِل شأن كل العقول المفكّرة، والعبقريات الكبيرة، والفِطن الحادّة، ما لم تُبرهن على تبعيّتها واستسلامها لِمنكره، وتدخل في معاونته عليه، ويقمعُ ويقبُرُ منها ما بدا منه شيء من معارضته.