محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٣٤ - الخطبة الأولى
والإنسان إنّما أوجده الله في الأرض ليكون الخليفة الصّالح فيها؛ يزكو في ذاته، ويتبادل التّأثير الإيجابيّ في هذا المجال، ويعمرُ الأرضَ متعاوناً، ويقيمُ حضارة الهدى والثّراء، ويتقدّم بالأوضاع، ويُبدعُ ما أمكنه الإبداع على طريق الخير والصّلاح.
والإسلام يدفع الإنسان في هذا الاتجاه، ويقود خطواته على هذا الطّريق، ويذوده عن أن يكون مُفسداً، ويبنيَ شرّاً، ويهدم خيراً، أو ينتصرَ لباطل، وعن أن يتعطّل دوره، وتُشلَّ حركته، ويخرجَ من الدّنيا بلا إضافة نافعة له في نفسه، وفي الحياة.
الإسلام في عقيدته، وأخلاقيته، وتشريعاته كلّها لا ينفكّ عن وظيفة الإعمار لذات الإنسان والحياة. ولا طاقة ولا جهد للإنسان، ولا لحظة من لحظات عُمُره إلا ويعمل الإسلام على إنفاقها في هذه الوظيفة، ويضعها في هذا الاتجاه.
إخراج النّاس من الظلمات إلى النّور، وتزكيتهم، ورفعُ الأغلال والأثقال عن حركة النموّ الصالح لعقولهم وقلوبهم، وهدايتهم إلى الصِّراط المستقيم وتوجيههم إلى الله عزّ وجلّ ليصوغوا حياتهم في ضوء عشقهِم لجلاله وجماله وكماله المطلق مَهمَّةٌ مشتركة بين كلّ الرّسالات السماويّة المستهدِفة لصناعة الإنسان وتربيته تربية إلاهية عالية تجعله يغنى بأكبر قدر يطيقه وجوده من نزاهة معنوية، وجمال ذات وكمال.
تقول الآية الكريمة: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ إِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ١ والفقدُ لأيّ مرتبة من مراتب الكمال العقلي، أو النّفسي، أو الرّوحي يُمثّل ظلمة للعقل، والنفس، والرّوح، والإخراج من هذه الظلمة