محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨٢ - الخطبة الثانية
٣. ظاهرة مشتركة:
تَمثَّل الربيع العربي في عدد من الحركات والانتفاضات والثورات في طول الساحة العربية وعرضها، وعلى مستوى الكثير من دولها. واشترك كل هذا في ظاهرة بيّنة ثابتة. تلك هي أن المطالبات الشعبية تبدأ بأسلوب سلمي، وبسقف متواضع فتُقابل بقمع السلطة وإرهابها وإسالة دم أبناء الشّعب والجرح والقتل فلا يلبث سقف المطالبة أن يرتفع، وتتسع رقعة الاحتجاجات وتعمّ المظاهرات والمسيرات، وتحدث التمركزات الشعبية الكبيرة، ويزداد قمع السلطة، ويغزر سيل الدماء، وتعمل قوى الأمن الحكومية والجيوش على دفع جماهير الشعب إلى فقد الصبر، والخروج عن دائرة الأسلوب السلمي دفاعاً عن النفس لتتّخذ الجهة الأخرى من ردّة الفعل الشعبيّة مبرراً للاستباحة العامّة على حدِّ ما ينقله التاريخ من استباحة مدينة الرسول صلّى الله عليه وآله في حُكم يزيد بن معاوية إلَّا أنَّ الزمن في تجارب بعض الأنظمة العربية هذه الأيَّام يمتدُّ وضع الإستباحة لشهور طويلة في تنكُّرٍ تام لقيم الدين، وضوابط الشريعة، والقانون والعرف المحلي والعالمي، وكلّ المقدَّرات والمواضعات الإنسانية.
وفي النهاية قد يُصرع النظام كما في التجربتين التونسية والمصرية، وقد تطول المنازلة بين الطّرفين لتزيد خسائر الأوطان وتطول محنة الجميع، وتتكبّد البُنى التحتية في البلاد ما تتكبّده من تصدُّعات وشروخ خطيرة.