محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٢١ - الخطبة الثانية
والإذلال للآخر هو المزيد من الاستضعاف للمستهدَف، وتجفيف منابع قوّته وممانعته حتى يتم إحكام السيطرة، وضمانُ استمرارها.
يعمل طالب السّيطرة على الغير واستعباده على أن يزيد من مستوى قوّة نفسه، وتجميع كلِّ ما استطاع من أسبابها بيده، وأن يسدَّ كلّ منابع القوّة التي تصبّ في صالح مستهدفِه، ومنع مناشئها. وتتجه عملية استضعافه له في كلِّ الأبعاد من سياسيٍّ، واقتصاديٍّ، واجتماعيٍّ، وثقافيّ، وأمنيّ، ونفسيّ، ودينيّ، وصحيّ وأيّ بُعْدٍ آخر يمكن أن يكون سبباً للنهوض والقوّة، والقدرة على الممانعة.
وفي هذا عمل تخريبيّ لأكبر مشروع لتقدُّم الحياة والإصلاح، وأعظم موجودٍ على ظهر الأرض وهو الإنسان. وهو عمل سيء خبيث بالغ الخطورة، ومضادّ لإرادة الله عزّ وجلّ، ودورِ الخلافة والإصلاح والإعمار الذي كُلّف به هذا المخلوق المعدّ لذلك.
ولا تنشأ ظاهرة الاستكبار والاستضعاف في ظلّ عقيدة التوحيد وحضورها في نفس الإنسان لأنَّ في استكبار العبد تنكّراً واضحاً لعبوديته، وتمرُّداً على حقّ الله في الخضوع له، وإرادته في المساواة بين عبيده في واقع العبوديّة، وإذعانهم لها.
والاستسلام للاستضعاف مُنافٍ هو كذلك لقضيّة التوحيد لأنَّ فيه تشجيعاً على دعوى الربوبيّة الكاذبة من المستكبِر واستجابةً لرغبة الإشراك بالله سبحانه، ومنافاةً لإخلاص العبوديّة له، وعدم الذُّلّ إلا بين يديه ١٤.
فالإسلام وهو عقيدة التوحيد الشّامل الخالص يُحرّم الاستكبار، والاستضعاف من أجله، والقبول بحالة الاستضعاف والبقاءَ في موقع الذُّل عن اختيار، ويفرض على المسلم أن يعمل جاهداً على التخلُّص من موقع الضعف الذي يسبب له الذّلَ وفقدَ الإرادة، وتعطيلها، وسلبَ الخيار الحرّ في الحياة، والوقوعَ في قهر الغير، وتحت إرادته، والاضطرارَ إلى التنازل