محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٤٠ - الخطبة الأولى
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ .... ٤.
قيام المرسلين بالقِسط لا جدل فيه، ولا شكَّ يعتريه، ولكنَّ هدف الرسالات يتجاوز ذلك بأن يقوم النّاس أنفسهم بالقسط ٥، ويكونَ الأخذ بالعدل سيرةَ المجتمع البشري العام.
وكلٌّ من العدل والظلم يمكن أن يغطّي كلّ مساحات الفكر والشعور والعلاقة والعمل. والظلم مُفرِّق، معطّل، مضعف، منهك، شاغل، مثير للخلافات والحروب، متلفٌ للطاقات والثروات، قاضٍ على روعة الحياة وحلاوتها، مُنسٍ لله، مثيرٌ للشكِّ في عدله ٦، خارجٌ على إرادته، مخالف لشرعه، يخلق طاغوتية واستضعافاً في الأرض، وآلهة مزيَّفة، وعبيداً بُلْهاً حقراء.
فكان على الرُّسل أن يسعوا جاهدين للقضاء على الظلم، والإخلال بالموازين المعنويَّة والماديّة معاً، وحالات الجور والميل عن الحقّ، وأن يقيموا القِسط، ويثبّتوا العدل، ويحملوا النّاس على الأخذ بموازين الحقّ.
ولا يكون هذا إلّا بالرجوع إلى الله، والسير في طريق توحيده، وتحكيم أحكام شرعه، وصِدْق العبودية والطاعة له ٧.
على أن حياة القِسط، وقيامَ العدل في النّاس وعلى أيديهم يأخذ بيدهم إلى الله، وينفتح بهم على توحيده، ويؤهِّلهم بدرجة عالية لاستقبال أنوار قُدْسه، وطلب القرب إليه.
ونتيجةً للتوحيد وتحقّق الأهداف السابقة للرسالات الإلهية في حياة النّاس يتم الهدف الغاية بأن يأمنوا بأمن الأبد بهدايتهم سُبُلَ السلام المؤدية إلى الصراط المستقيم في السعي إلى الله، وأن يحيوا الحياة الطيّبة الدائمة دنيا وآخرة بكل أبعاد ذاتهم الإنسانية ما كان