محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٥٥ - الخطبة الثانية
الجانب نهائياً، أو مع إسناد هذه المهمَّة إلى شريحة أخرى غير دينيّة، أو دينية بعيدة عن جوِّ العلماء وفهمهم وثقافتهم.
وهذا الطَّرح يعني إلغاءَ الدّين من وجود الأمة، والقضاء على ما تبقَّى منه، ولا يتقدّم به إلا من كان هدفه ذلك، وإلّا فكيف تُسند رعاية الدين إلى البعيدين عنه؟! وكيف تُتلقَّى أجوبة مسائله، وآراؤه من غير حملته وعلمائه؟!
وإذا كانت قيادة العلماء التي يُراد تجنيب المجتمع إياها حذراً من أخطارها العظيمة لما تشمله من بُعد سياسي فإن المرجعية الدينية لم يلازمها دائماً وفي كل تاريخها ما تحذره السياسية الدنيوية منها من سحب البساط من تحت قدمها، ولا تحمل هذا الاهتمام عمليّاً في كثير من تجاربها.
والقيادة الدينيَّة ذات البُعد السياسي لها تجربتان في هذا المقطع الزمنيّ الخاص تجربة على مستوى القيادة الشعبيَّة المسهمة في الوضع السّياسي، وأخرى على مستوى القيادة من خلال الموقع الرسمي وإدارة شؤون الدّولة، وكلٍّ منهما جسّد مثلًا رائعاً في مجال القيادة ولم يحدث على يده إلا الانتصار للأمة والعدل والأمن والاستقلال والتقدم العلمي الشامل. إن تجربة الدولة الدينية قدَّمت كل ذلك، وانفتحت على كل طيب من طيبات الدنيا، وإيجابيٍّ من إيجابيات الحضارات، وصلاحٍ من صلاح الإنسان، وأحدثت نقلة كريمة في حياة الأمة.
وتجسّدت تجربة القيادة من خلال الموقع الشعبي في مثل حسن البنّا وسيّد قطب وسيد محمد باقر الصدر، والسيد الخميني الذي تمثّلت فيه القيادة الدينية في كلٍّ من الموقعين، والسيد موسى الصدر، والسيد فضل الله والسيد نصر الله. وكل هذه القيادات لم تتأخر بالأمَّة عِلماً ولا عَمَلًا بل أعطتها التقدم والنباهة واليقظة، وأثارت فيها روح العزّة والكرامة، وساهمت في إصلاح الأوضاع، وأنارت الطريق، ودعت إلى كل تقدّم نافع.