محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠٨ - الخطبة الأولى
٥. وعنه عليه السلام:" إيّاك أن توجف بك ١١ مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة" ١٢.
الطمع يُلغي حساب العواقب، ويُنسي المخاطر، ويَدفع للمجازفات، ويشطُّ بصاحبه عن الطريق، ويوردُه المهالك. إذا طغى واستولى قاد أهلَه عُمياناً لا يدرون عن خطر دنيا ولا آخرة، أو مجانين لا يحسبون لها أيَّ حساب. يُقدِمُ الطامع على السّرقة، وإن توقّع أشدّ العوقبات، ويرتكب الجناية التي يسوقه إليها طمعه وغلبة الشّهوة وإن تهدّده الموت في الدنيا، وأشدُّ العذاب في الآخرة.
وفي الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:" استعيذوا بالله من طمع يهدي إلى طَبَع، ومن طمع يهدي إلى غير مطمع، ومن طمع حيث لا مطمع" ١٣.
كثيراً ما يهدي الطمع في الدّنيا إلى طبع وهو الدّنس وتلوّث الشرف فلا بد أن يكون هذا الطمع محلَّ استعاذة لمن أحسَّ بقيمة شرفه، وعَزَّ عليه عِرضه، وغلت سمعتُه، ومن الطّمع ما يتعلّق بالأمر الدنيء وغير المجدي، وما لا يُعقِبُ إلا الوزرَ والسوء، والعاقل يفرّ من هذا ولا يطمع فيه، ويرى أنَّ مثل هذا الطمع مصيبة يستعاذ منها.
وقد يتعلّق الطمعُ بموهوم، وما لا ينال، ويستحيل الوصول إليه؛ فلا يستتبع إلا جُهداً ضائعاً، ورَهَقاً ونصباً، وبذلًا خاسراً. وما أحرى بالعاقل أن يستعيذ من هذا الطمع المرهِق الفاشل الخاسر.
وكيف يذهب بعاقل طمعُه إلى جمع كلِّ ما في الدنيا بيده؟! وهل لو اجتمعت له كلّ الدُّنيا لزادته يوماً في عمره؟! واضح لا. فهو سعيٌ بلا جدوى، والعاقل لا يفعله. وأكثر من ذلك أنه يزيد في الهمّ، ويعظُم به الوزر، وتثقل المسؤولية، ويطول ويشتد الحساب.