النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٦٠٧ - ٦-أو
ما أفضل الأعمال الحرة للشباب؟قالوا: أفضلها الزراعة، أو التجارة، أو الصيدلة، فالجملة الفعلية: (قالوا) جملة خبرية، مكونة من الفعل: «قال» الدال على القول، من غير تفصيل للكلام الذى قيل، و من الضمير: (واو الجماعة) العائد على الطوائف المعدودة بالثلاث [١] ، و هو ضمير مجمل يدل على مرجعه دلالة خالية من التفصيل. و بسبب الإجمال فى دلالة الفعل و فى الضمير جاء بعدهما التفصيل الذى يعدّد طوائفهم، و أنهم زراعيون. و تجاريون، و صيادلة، كما يبين كلام كل طائفة؛ أى: قال الزراعيون: أفضلها الزراعة، و قال التجاريون: أفضلها التجارة، و قال الصيادلة؛ أفضلها الصيدلة.
و من هذه المعانى أيضا: الإضراب [٢] ، و من أمثلته: أن يتهيأ المرء للخروج، و تبدو عليه أماراته، ثم يعدل عنه، قائلا: (أنا أخرج. أو أقيم) . فينطق بالجملة الأولى، و لا يلبث أن يغيّر رأيه، و ينصرف عما قرره، فيسارع إلى إردافها بقوله: أو: «أقيم» و يجلس جلسة المقيم، فيكون جلوسه قرينة على أن معنى «أو» هو: الإضراب. فكأنه قال: (أخرج، لا، بل أقيم) . و مثله قول القائل: (أقيم فى البيت، أو أخرج؛ فإن ورائى عملا لا مناص من إنجازه الآن فى الخارج) . فقد أخبر بالإقامة فى البيت، ثم بدا له أن ينصرف عن هذا الرأى و يخرج، فكأنه قال: «لا. بل أخرج الآن» و مثل قول الشاعر يتغزل:
بدت مثل قرن الشمس فى رونق الضحا # و صورتها. أو أنت فى العين أملح
يريد: بل أنت أملح.
و يحسن فى الأسلوب المشتمل على: «أو» التى تفيد الإضراب أن يحتوى أمرين معا؛ أولهما: أن يسبقها نفى أو نهى [٣] . و ثانيهما: تكرار العامل، نحو:
[١] يعود على الطوائف باعتبار المعنى، إذ المراد من الطوائف هنا: أفرادها من الرجال.
[٢] سبق شرحه فى رقم ١ من هامش ص ٥٩٧.
[٣] و يترتب على هذا ما يأتى فى: «ا» من الزيادة و التفصيل ص ٦١١. و يرى بعض النحاة أن وجود النفى أو النهى قبلها شرط أساسى فى إفادتها الإضراب. و يرى آخرون أنه ليس بشرط.
و من هؤلاء: الفراء، مؤيدا رأيه بقوله تعالى: « ( «وَ أَرْسَلْنََاهُ إِلىََ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ » ) . أى:
بل يزيدون، لأن «أو» هنا للإضراب، فلا تصلح لمعنى آخر كالشك. لأن الشك و نحوه محال على اللّه، و الحق: أن تقدم النفى و النهى مستحسن فقط.