النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٢١٠ - المسألة ٩٩
ق-فهو يريد: أن كلمة «ضربا) هى المسمى اللفظى المجازى لكلمة: «مصدر. و مقتضى هذا أن كلمة. «مصدر» اسم له مدلولان أو مفهومان، و إن شئت فقل: له مسميان، أحدهما: معنوى محض؛ هو الحدث المجرد، و هذا الحدث هو المسمى الحقيقى-لا المجازى-لكلمة: مصدر. و المسمى الآخر لفظى؛ هو اللفظ الذى ننطق به، أو نكتبه، و الذى نقول فى إعرابه: إنه مصدر منصوب، و هو المصدر المجازى المراد منه المصدر الحقيقى المعنوى-ثم قال بعد ذلك:
(و اسم المصدر اسم للمعنى الصادر عن الإنسان و غيره؛ كسبحان؛ المسمى به: «التسبيح» الصادر عن الشخص المسبّح-مثلا-لا لفظ التاء، و السين، و الباء، و الياء، و الحاء، بل المعنى المعبر عنه بهذه الحروف، و معناه البراءة و التنزيه) ا هـ-راجع ياسين على التصريح-
و يفهم مما سبق أن اسم المصدر كالمصدر المجازى السالف؛ كلاهما يدل مباشرة على الحدث المجرد من غير واسطة. و لكن كثيرا من المحققين يقولون إن اسم المصدر يدل مباشرة على لفظ المصدر لا على الحدث المجرد، و أن دلالته على لفظ المصدر تؤدى-تبعا-إلى الدلالة على معنى المصدر، و بذا تكون دلالته على الحدث المجرد دلالة غير مباشرة، و إنما هى بالواسطة؛ إذ هى من طريق المصدر.
(راجع الخضرى و الصبان فى هذا الموضع من الباب) .
و من أوضح أسماء المصادر كل اسم يدل على معنى مجرد، و ليس له فعل من لفظه يجرى عليه؛ كالقهقرى؛ فإنه لنوع من الرجوع، و لا فعل له-فى المشهور-يجرى عليه من لفظه. و كذلك كل اسم يدل على معنى مجرد، و يجرى على وزن مصدر الثلاثى، مع أن الفعل المذكور معه فى الجملة غير ثلاثى؛ مثل: توضأ وضوءا، و أعان عونا، و ما شابههما من الوارد المسموع-كالشأن فى جميع أسماء المصادر فإنها مقيدة بالسماع-.
بقيت مسألة هامة، تتلخص فى: أن بعض الباحثين المحققين ينكر وجود قسم مستقل يطلق عليه: «اسم المصدر» . و حجته: ما سبق هنا، و أن تعريف المصدر الأصيل ينطبق عليه. و هذا رأى قوىّ و دفعه عسير. و مسألة أخيرة: (أشرنا إليها فى ص ١٨٣) ، نوردها بمناسبة دلالة المصدر-فى الغالب- على شىء واحد من شيئين يدل عليهما الفعل؛ فإن هذه الدلالة تثير سؤالا: أيهما أصل للآخر؟فالبصريون يقولون: المصدر. و يحتجون بأدلة، أقواها: أنه يدل على شىء واحد؛ هو: المعنى المجرد؛ فهو «بسيط» .
و الفعل الماضى يدل على شيئين؛ المعنى و الزمن؛ فهو مركب. و «البسيط» أصل المركب. و الكوفيون يقولون: الفعل الماضى هو الأصل الذى يدخله بعض التغيير. فتتفرع منه المشتقات؛ لأنه يدل على ما يدل عليه المصدر و زيادة؛ و الذى يتضمن غيره و الزيادة عليه يعد أصلا له.
و هذا-و غيره مما ذكره الفريقان-لا يعدو أن يكون أدلة جدلية دفاعية، لها طلاوة الجدل القوى، و ليس لها قوة الحجة المنطقية، و لا صحة البرهان. إذ ليس لدينا فى المشتقات الكثيرة المسموعة عن العرب ما يدل من قرب أو بعد على الأصل الذى تفرع منه هذا المشتق. أما المسألة فى واقعها فليست إلا مجرد اصطلاح محض. غير أن كلمة: «المصدر» فى أصلها اللغوى معناها: «الأصل» و قد شاعت بهذا المعنى بين أكثر النحاة. و أطلقوها اصطلاحا على أنها أصل للفعل و للمشتقات كلها. فلا ضرر من الأخذ بهذا. و الاقتصار عليه.