النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٤٩ - (ا) عطف البيان
نعم قد تكون التفرقة بينهما سائغة فى بعض صور، و لكن من ناحية أخرى دقيقة غير تلك التى تصدى لها المانعون؛ هى أن لعطف البيان غرضا معنويّا هامّا؛ هو: إيضاح الذات نفسها، أو تخصيصها على الوجه الذى شرحناه [١] أما بدل الكل فله غرض آخر يختلف عن هذا تماما؛ هو الدلالة على ذات المتبوع بلفظ آخر يساويه فى المعنى؛ بحيث يقع اللفظان على ذات واحدة، و فرد معين واحد فى حقيقته-كما سيجىء فى بابه-و لا يضر أن يختلفا فى المفهوم بعض الاختلاف اليسير ما دامت حقيقة الذات المقصودة واحدة؛ كالاختلاف الذى فى نحو عرفت سعيدا أخاك [٢] ، و لا شأن لبدل الكل بالإيضاح و التخصيص، فحيث اقتضى المقام إيضاح حقيقة الذات أو تخصيصها-و الإيضاح و التخصيص هنا ذاتيان، (أى: يقعان و ينصبان على الذات) -فاللفظ عطف بيان ليس غير، بشرط أن تجتمع فيه بقية الشروط الواجبة فى عطف البيان، و منها: مطابقته للمتبوع فى الأمور الأربعة السالفة؛ و لهذا كانت كلمة:
«سيد» الثانية عطف بيان فى قول الشاعر:
إذا سيد منّا مضى لسبيله # أقام عمود الدين آخر سيد
و حيث اقتضى المقام الدلالة على ذات المتبوع نفسها بلفظ آخر يساويه تماما فى المدلول فاللفظ «بدل كل من كل» ، و بخاصة إذا فقد اللفظ شرطا من شروط عطف البيان.
هذه هى ناحية التفرقة الحقة التى يجب الاقتصار عليها؛ نزولا على أحكام اللغة، و تقديرا لخصائصها، و كشفا لأسرارها، بل إن هذه التفرقة نفسها قد يمكن رفضها [٣] .
[١] فى ص ٥٤٢ و فى رقم ٢ من هامش ص ٥٤٤. و انظر البيان كاملا فى ص ٦٧٩.
[٢] فذات «الأخ» هى ذات «سعيد» ؛ إلا أن كلمة «أخ» تشعر فى الوقت نفسه بمعنى زائد، هو: «الأخوة» التى لا تشعر بها كلمة «سعيد» ، و لكن هذا المعنى الزائد غير مقصود مطلقا فى عطف البيان، إذ لو قصد لصارت الكلمة نعتا مؤولا بالمشتق. و الفرق كبير فى المعنى و الحكم بين النعت و عطف البيان.
[٣] و هى تفرقة دقيقة لا تكاد تدرك، و غير مقصودة-كما أوضحنا فى هامش الصفحة السالفة. -