النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٩ - زيادة و تفصيل
«فالق الإصباح ، و جاعل الليل سكنا [١] » ؛ فجعل الليل سكنا أمر لا يقتصر على زمان دون آخر؛ فقد وقع فى الماضى، و هو يقع الآن، و سيقع بعد ذلك. غير أن الكلام فيه ما يقوى جانب الحال و المستقبل على الماضى، و يجعل الإضافة غير محضة؛ هو أنّ المحضة تقتضى-غالبا-أن يكون المضاف اسما جامدا، أو فى حكم الجامد، فلا يعمل؛ و هذا يؤدى إلى اعتبار كلة:
«جاعل» فى حكم الجامد؛ فلا تنصب مفعولا به، و لا مفعولين، و إلى إعراب كلمة: «سكنا» المنصوبة، مفعولا به لعامل محذوف، تقديره «يجعل» ، أو ما يماثله، و كأن الأصل: جاعل الليل يجعله سكنا. و فى كل هذا عدول عن النسق الظاهر، و الإعراب الواضح الذى يدخل الوصف «جاعل» هو و فعله فى سلك الألفاظ العاملة التى تنصب مفعولين. و قد أضيف الوصف إلى أحدهما، و نصب الثانى مباشرة، فلا حاجة إلى تأول و تقدير يبعدان عن هذا السنن الواضح.
و شىء آخر؛ هو: أن زمن الوصف فى الآية دائم مستمر؛ يشمل الماضى و الحال، و المستقبل. و لكن هذا الدوام الزمنى ليس متصل الأجزاء بغير انقطاع، و إنما يتخلله انقطاع يزول، ثم يعود مرة، فأخرى؛ فحين يجعل اللّه الليل سكنا يكون الليل موجودا، و حين لا يجعله سكنا يختفى. ثم يجعله مرة أخرى؛ ثم يزيله، ثم يعيده؛ و هكذا، دواليك؛ ... فالاستمرار موجود حقّا؛ و لكنه على ما وصفنا؛ من توالى الإيجاد و الإزالة بغير توقف، و من تجدد الظهور و الاختفاء بغير انقطاع [٢] أما الدوام المتصل على حالة واحدة، -هى: جعل الليل سكنا فى جميع لحظات الزمان و أوقاته-فلا وجود له.
و لما كان الانقطاع و التجدد هما من خصائص الفعل المضارع، و زمن المضارع هو الحال أو الاستقبال-كان الوصف (المشتق) الذى يشاركه فيهما شبيها به من الناحية المعنوية، و محمولا عليه فى ناحية أخرى، هى
[١] شيئا يستريح إليه المتعب بالنهار، و يسكن للراحة و الاطمئنان فيه. (انظر جـ «ص» ٤٠)
[٢] و هذا يسمى: الاستمرار المتجدد، أو الاستمرار التجددى. و له إشارة أخرى فى رقم ٤ من هامش ص ٢٤٧، و فى رقم ٢ من هامش ص ٢٨٢.