النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٢٥ - زيادة و تفصيل
ب-وردت صيغ-كثيرة لاسم المكان، قليلة لاسم الزمان، -من مصدر الثلاثى على وفاق القاعدة، و لكنها مختومة بتاء التأنيث للدلالة على تأنيث المعنى المراد من الكلمة. (إذ يقصد منها: البقعة، بمعنى المكان) . فمما ورد فى الكلام العربى الفصيح: المزلة (بكسر الزاى) لموضع الزّلل-المظنة بفتح الظاء [١] ) لمكان الظن-المشرقة (بفتح الراء) لموضع شروق الشمس و القعود فيها-موقعة الطائر (بفتح القاف) ، للمكان الذى يقع فيه-المشربة للغرفة-المدبغة-المزرعة-المزلقة-المنامة... و كثير مثل هذا يزيد على المائة و لكنه يكاد يقتصر على المكان. فهل يجوز القياس على هذا الوارد من المكان، مرادا منه: «البقعة» ، بزيادة تاء التأنيث على صيغة «مفعل» التى هى بفتح العين أو التى بكسرها، لتصير «مفعلة» -بفتح العين أو كسرها [٢] -مع بقاء الدلالة على ما كانت عليه؟
اختلف قدماء النحاة فى الرأى؛ فقليلهم يجيز القياس، و أكثرهم يميل -بغير داع قوىّ-إلى المنع؛ لتوهمه أن هذا الكثير-المسموع المختوم بالتّاء فى صيغة اسم المكان-قليل لا يكفى للقياس عليه.
و الحق أن الرأى الذى يبيح القياس عليه سديد موفّق، إذ كيف يوصف الوارد من تلك الأمثلة المكانية بالقلة مع أنه يبلغ العشرات [٣] ؟نعم إنها قلة، و لكنها: «نسبية» ، (أى: بالنسبة للصيغ الواردة من غير تاء التأنيث) ، و القلة النسبية» على هذا الوجه تبيح القياس العام، و تجيز المحاكاة من غير تقييد [٤] ، و إن كانت لا تبلغ فى درجة القوة و الفصاحة مبلغ الأولى [٥] ، فاختلاف الدرجة فى القوة و الفصاحة لا يمنع من صحة القياس و المحاكاة، و لا داعى للتضييق الذى لا يدفع عن اللغة أذى؛ و لا يجلب لها نفعا. فالأنسب إباحة القياس فى صيغة «مفعلة»
[١] و قد سمع فيها الكسر أيضا.
[٢] دالة على المؤنث، المراد به البقعة، بمعنى المكان.
[٣] قال شارح «القاموس المحيط» فى مادة «أسد» إن بعضهم جعله مقيسا؛ لكثرة أمثاله.
[٤] انظر البيان الخاص بهذا فى رقم ٤ من هامش ص ٧٩.
[٥] هذا رأى بعض أئمة العربية ممن يفسرون القياس (كما جاء فى مجلة المجمع اللغوى جـ ١ ص ٢٣٢) بأنه الجرى على مقتضى الكثرة فى جنسها، لا الأغلبية العامة. و به أخذ المجمع اللغوى فى كثير من أحكامه و قراراته، بعد أن بيّن قوته، و رجاحة أدلته، و شدة الحاجة للأخذ به.