النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٨ - بيان هامّ
على أن هذا الفريق الذى اختار تلك الشواهد ميدانا لتطبيقه قد فاته ما أشرنا إليه من حاجتها إلى طويل الوقت، و كبير الجهد فى تيسير صعوباتها اللغوية التى أوضحناها.
و طلاب اليوم-خاصة-أشد احتياجا لذلك الوقت و الجهد، كى يبذلوهما فى تحصيل ما يتطلبه مستقبلهم الغامض. كما فاته أن خير التطبيق لكبار الطلاب ما ليس محدد المجال، مصنوع الغرض، متكلف الأداء، كالشواهد التى نحن بصددها. و إن مناقشة لنص أدبى كامل، أو صفحة من كتاب مستقيم الأسلوب، أو مقال أدبى-لهى أجدى فى التطبيق، و أوسع إفادة فى النواحى اللغوية المتعددة، و أعمق أثرا فى علومها و آدابها-من أكثر تلك الشواهد المبتورة المعقدة. فليتنا نلتفت لهذا، و ندرك قيمته العملية، فنحرص على مراعاته، و نستمسك باتباعه مع كبار المتعلمين، و لعل هؤلاء الكبار أنفسهم يدركونه و يعملون به، فيحقق لهم ما يبتغون.
على أن لتلك الشواهد خطرا آخر؛ هى أنها-فى كثير من اتجاهاتها- قد تمثل لهجات عربية متعارضة، و تقوم دليلا على لغات قديمة متباينة، و تساق لتأييد آراء متناقضة؛ فهى معوان على البلبلة اللغوية، و وسيلة للحيرة و الشك فى ضبط قواعدها، و باب للفوضى فى التعبير. و تلك أمور يشكو منها أنصار اللغة، و المخلصون لها.
و على الرغم من هذا قد نسجل-أحيانا مع الحيطة و الحذر-بعض الشواهد الغريبة، أو الشاذة، و بعض الآراء الضعيفة، لا لمحاكاتها، و لا للأخذ بها -و لكن ليتنبه لها المتخصصون، فيستطيعوا فهم النصوص القديمة الواردة بها حين تصادفهم، و لا تصيبهم أمامها حيرة، أو توقف فى فهمها.
٤-الفرار من العلل الزائفة [١] ، و تعدد الآراء الضارة فى المسألة الواحدة، فلهما من سوء الأثر و قبيح المغبة ما لا يخفى. و حسبنا من التعليل: أن يقال: المطابقة للكلام العربى الناصع، و من الآراء أن يقال: مسايرة فصيح اللغة و أفصحها. و القرآن الكريم-بقراءاته الثابتة الواردة عن الثقات-فى
[١] و فى مقدمتها ما كان تعليلا لأمر واقع، و لا سبب له إلا نطق العربى، كالتعليل لرفع الفاعل، و المبتدأ و الخبر، و لنصب المفعولات-انظر رقم ٣ من هامش ص ٨٤-فإن التعليل لهذه الأمور الوضعية عيب و فساد؛ إذ الوضعيات لا تعلل؛ كما قال أبو حيان و غيره، و نقله الهمع حـ ١ ص ٥٦.