النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٤٩ - المسألة ٣٧
أستاذى رائدى فى العلم-مكافح أمين جندى مجهول-أجمل من حرير أجمل من قطن...
ففى هذه الأمثلة و أشباهها يجب تأخير الخبر؛ لأن تقديمه يوقع فى لبس؛ إذ لا توجد قرينة [١] تعينه، و تميزه من المبتدأ؛ فيختلط المحكوم به بالمحكوم عليه؛ و يفسد المعنى [٢] تبعا لذلك. فإن وجدت قرينة معنوية أو لفظية تدل على أن المتقدم هو الخبر و ليس المبتدأ جاز التقديم؛ فمثال «المعنوية» : أبى أخى فى الشفقة و الحنان... فكلمة: «أب» خبر مقدم؛ و ليست مبتدأ؛ لأن المراد: أخى كأؤ... ، أى: الحكم على الأخ بأنه كالأب فى الشفقة و الحنان، و لا يعقل العكس. فالمحكوم عليه هو: «الأخ» ؛ فهو المبتدأ، و المحكوم به هو: «الأب الذى يشابهه الأخ. فالأب هو الخبر و لو تقدم؛ لأن القرينة المعنوية تميزه و تجعله هو الخبر؛ فصح التقديم لوجودها.
و مثل: الجامعة فى التعليم البيت. «فالجامعة» خبر مقدم، «و البيت» مبتدأ مؤخر؛ فهو المحكوم عليه بأنه مشابه للجامعة؛ إذ لا يعقل العكس. و مثل:
نور الشمس نور الكهربا. ضوء القمر ضوء الشموع... الأسد فى الغضب القطّ فى الثورة. الجبل الهرم فى الضخامة. هذا العالم فى براعته هذا الطالب فى
[١] كررنا أن القرينة هى العلامة التى تدل على المعنى و توجه إليه، و تزيل عنه الغموض و اللبس فإن كانت لفظا سميت: لفظية. و إن كانت غير لفظ سميت معنوية أو عقلية. و قد تقسم فى مواضع أخرى إلى حسية؛ و هى: التى تدرك بإحدى الحواس؛ فتشمل اللفظية، و إلى غير حسية و هى التى تدرك بالعقل... كما سيجىء فى رقم ١ من هامش ص ٤٦٠-
[٢] أوضحنا أول هذا الباب-رقم ٧ من هامش ص ٤٠١-معنى المحكوم عليه، و المحكوم به. و لما كان الغالب فى الأول-و هو المبتدأ-أن يكون شيئا معلوما للسامع، و أن يكون الثانى-و هو الخبر-مجهولا له، وجب عند اللبس تأخير الثانى (أى: الخبر) ، إذ لو تقدم و أعربناه مبتدأ لا نقلب المحكوم به المجهول محكوما عليه معلوما. و صار المعلوم مجهولا، و جاء الحكم فى الحالتين مخالفا للمراد، و هذا فساد معنوى. و فى الموضع السالف بيان شاف مفيد.
و لزيادة الإيضاح نسوق المثال الآتى، أن يعرف المخاطب شخصا مثل: «إبراهيم» بعينه و اسمه، و لكنه لا يعرف أنه زميله فى الدراسة؛ فتقول: إبراهيم زميلك. جاعلا المبتدأ هو المعروف له، و الخبر هو المجهول له، المحكوم به. و ذلك شأن الخبر غالبا-كما قدمنا-أن يكون هو الشىء المجهول للمخاطب، و أنه المحكوم به؛ فلا يصح أن تقول؛ زميلك إبراهيم، بغير قرينة تدل على تقديم الخبر. أما إذا عرف زميلا له، و لكنه لا يعرف اسمه، و أردت أن تعين له الاسم، فإنك تقول: زميلك إبراهيم. جاعلا المعلوم له هو المبتدأ، و المجهول له المحكوم به هو الخبر. فلو عكس الأمر فى إحدى الصورتين لانعكس المعنى؛ تبعا لذلك، و اختلف.