النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٦٠٦ - المسألة ٥٤
قخبر «إن» مع مجىء الرفع فى قوله تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا، وَ اَلَّذِينَ هََادُوا، «وَ اَلصََّابِئُونَ » ، وَ اَلنَّصََارىََ - مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ ... ) ؟ فكلمة''الصابئون‘‘: وقعت بعد العاطف و قبل خبر «إن» و هو: «من آمن» و اسم «إن» هو كلمة: «الذين» و مثلها قراءة من قرأ قوله تعالى: (إِنَّ اَللََّهَ وَ مَلاََئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ ... ) برفع كلمة «ملائكة» بعد العاطف و قبل خبر «إن» و كذلك قول الشاعر:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله # فإنّى و قيّار بها لغريب
فكلمة «قيار» (و هى اسم حصان الشاعر) مرفوعة بعد العاطف و قبل خبر «إن» . و غير هذا من الشواهد المتعددة. كيف يقبلون أن تؤول الآية لتطابق القاعدة و لا يتصرفوا فى القاعدة تصرفا صريحا يساير الآية، مع اعتقادهم أن القرآن أفصح كلام عربى و أعلاه؟و لم التمحل فى الأمثلة العربية الأخرى -و هى كثيرة-و ترك القاعدة بغير إصلاح؟و هل يصير الأسلوب الفاسد صالحا بمجرد التأويل و النية الخفية من غير تغيير يطرأ على ظاهره؟
ثم هم لا يبيحون التأويل إلا فى الأمثلة المسموعة التى تخالف قاعدتهم، أما الأمثلة التى هى من كلام المحدثين ففاسدة-فى رأيهم-فسادا ذاتيا؛ فلا يجوز قبولها، و لا التماس التأويل فيها. و هم يؤولون المرفوع فى الأمثلة السالفة و أشباهها بما نعتبره حكما عاما غير مقصور على الوارد المسموع، فيؤولون المرفوع فى الآية الأولى و فى البيت بأنه مبتدأ-خبره محذوف، و الجملة معترضة-بين اسم إن و خبرها، لتقدم المبتدأ و خبره عن مكانهما، و توسطهما بين اسم «إن» و خبرها. فأصل الآية-عندهم: (إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا - وَ اَلصََّابِئُونَ كذلك - (من آمن منهم ) -و أصل البيت: فإنى-و قيار غريب-لغريب و يفضلون أن تكون الجملة فى المثالين اعتراضية لا معطوفة، فرارا من العطف قبل تمام الجملة المعطوف عليها، إن جعل من عطف الجمل، و فرارا من تقدم المعطوف على المعطوف عليه إن عطف المرفوع على الضمير المستتر فى الخبر فهم يؤولون البيت بتأويل الآية الأولى وحدها فيجعلون كلمة: «غريب» المشتملة على لام الابتداء خبر «إن» و لا يجعلونها خبرا لكلمة «قيار» لأن دخول لام الابتداء على خبر المبتدأ ضعيف.
فخبره هنا محذوف؛ و التقدير «و قيار غريب» أو «و قيار مثلى» و الجملة منهما اعتراضية.
أما فى الآية الثانية فيلتمسون تأويلا آخر، فيجعلون خبر «إن» هو المحذوف، و يجعلون الاسم المرفوع مبتدأ خبره المذكور بعده، و التقدير عندهم: إن اللّه يصلى على النبى، و ملائكته يصلون على النبى، إذ لا يصلح فى هذه الآية التقدير الأول الذى صلح لسابقتها، لما يترتب عليه من أن يكون التقدير؛ إن اللّه يصلون على النبى؛ فتختل المطابقة اللفظية بين اسم «إن» و خبرها، و هى لازمة كما قلنا، فإن لم يوجد ما يعين أحد التأويلين فهما-عندهم-جائزان.
كل هذا عناء لا مسوغ لاحتماله، يريحنا منه الأخذ بالرأى الذى يبيح الأمرين الرفع و النصب بالتوجيه الذى شرحناه، فوق ما فيه من راحة أخرى؛ إذ يجعل القاعدة واحدة مطردة؛ فيسوى بين العطف بعد مجىء خبر «إن» و قبل مجيئه.
على أننا نقول: حسب الناس فى المسألة السابقة أن يحاكوا أساليب القرآن، و الكلام العربى الفصيح، فلا نرهقهم بالتأويلات المختلفة و فهمها. و من شاء أن يؤول كلامهم بعد قبوله كما أؤل القرآن، فليفعل.
و على ضوء ما سبق يمكن الوصول إلى حكمين:
أولهما: فساد التركيب فى مثل: «إن محمدا و إن عليا منطلقان؛ لاشتماله على خبر واحد لمتعاطفين، تكررت فيهما «إن» فيكون معمولا لعاملين مختلفين، هما: «إن» الأولى و «إن» الثانية