النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٨٤ - المسألة ٣٠
السيارة. و قوله تعالى: (كَمََا أَرْسَلْنََا إِلىََ فِرْعَوْنَ رَسُولاً `فَعَصىََ فِرْعَوْنُ اَلرَّسُولَ ) . فكل كلمة من الثلاث: (مطر-سيارة-رسول) و أشباهها قد ذكرت مرتين؛ أولاهما بغير «أل» فبقيت على تنكيرها، و ثانيتهما مقرونة بأل العهدية التى وظيفتها الربط بين النكرتين ربطا معنويّا يجعل معنى الثانية فردا محدودا محصورا فيما دخلت عليه وحده، و الذى معناه و مدلوله هو النكرة السابقة ذاتها. و هذا التحديد و الحصر هو الذى جعل الثانية معرفة؛ لأنها صارت معهودة عهدا ذكريّا، أى: معلومة المراد و الدلالة؛ بسبب ذكر لفظها فى الكلام السابق ذكرا أدى إلى تعيين الغرض و تحديده بعد ذلك، و أن المراد فى الثانية فرد معين [١] ؛ هو السابق، و هذا هو ما يسمى: «بالعهد الذّكرى» .
٢-و قد يكون السبب فى تعريف النكرة المقترنة بأل العهدية هو أن «أل» تحدد المراد من تلك النكرة، و تحصره فى فرد معين تحديدا أساسه علم سابق فى زمن انته قبل الكلام، و معرفة قديمة فى عهد مضى قبل النطق، و ليس أساسه ألفاظا مذكورة فى الكلام الحالى. و ذلك العلم السابق ترمز إليه «أل» العهدية و تدل عليه، و كأنها عنوانه. مثال ذلك؛ أن يسأل طالب زميله: ما أخبار الكلية؟ هل كتبت المحاضرة؟أذاهب إلى البيت؟فلا شك أنه يسأل عن كلية معهودة لهما من قبل، و عن محاضرة و بيت معهودين لهما كذلك. و لا شىء من ألفاظ السؤال الحالية تشير إلى المراد إلا: «أل» ؛ فإنها هى التى توجه الذهن إلى المطلوب.
و هذا هو ما يسمى: «العهد الذهنى» أو: «العهد العلمى» .
٣-و قد يكون السبب فى تعريف تلك النكرة حصول مدلولها و تحققه فى وقت الكلام، بأن يبتدئ الكلام خلال وقوع المدلول و فى أثنائه؛ كأن تقول: (اليوم يحضر والدى) . - (يبدأ عملى الساعة) - (البرد شديد الليلة) ... تريد من «اليوم» و «الساعة» و «الليلة» ؛ ما يشمل الوقت الحاضر الذى أنت فيه خلال الكلام. و مثل ذلك: أن ترى الصائد يحمل بندقيته فتقول له: الطائر. أى:
أصب الطائر الحاضر وقت الكلام. و أن ترى كاتبا يحمل بين أصابعه قلما فتقول له: الورقة. أى: خذ الورقة الحاضرة الآن. و هذا هو «العهد الحضورى» [٢] .
[١] لهذا إيضاح فى رقم ٣ من هامش ص ٣٩٣.
[٢] و أكثر ما تقع «أل» التى للعهد الحضورى بعد أسماء الإشارة؛ نحو: جاءنى هذا الرجل.
أو بعد «أى» فى النداء؛ نحو: يأيها الرجل. و قد تقع فى غيرهما كالأمثلة التى عرضناها من قبل.