البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٣ - يونس آيه ٩٨
جَعْفَرٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):وَ هِيَ الْجِبَالُ الَّتِي بِنَاحِيَةِ الْمُوصِلِ الْيَوْمَ-فَصَارَتْ حَدِيداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.فَلَمَّا رَأَى قَوْمُ يُونُسَ أَنَّ الْعَذَابَ قَدْ صُرِفَ عَنْهُمْ هَبَطُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ مِنَ رُءُوسُ الْجِبَالِ،وَ ضَمُّوا إِلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ وَ أَوْلاَدَهُمْ وَ أَمْوَالَهُمْ، وَ حَمِدُوا اللَّهَ عَلَى مَا صَرَفَ عَنْهُمْ.
وَ أَصْبَحَ يُونُسُ وَ تَنُوخَا يَوْمَ الْخَمِيسِ فِي مَوْضِعِهِمَا الَّذِي كَانَا فِيهِ،لاَ يَشُكَّانِ أَنَّ الْعَذَابَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ وَ أَهْلَكَهُمْ جَمِيعاً،لَمَّا خَفِيَتْ أَصْوَاتُهُمْ عَنْهُمَا،فَأَقْبَلاَ نَاحِيَةَ الْقَرْيَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ،يَنْظُرَانِ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ الْقَوْمُ،فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْقَوْمِ وَ اسْتَقْبَلَهُمُ الْحَطَّابُونَ وَ الْحَمَّارَةُ [١] وَ الرُّعَاةُ بِأَغْنَامِهِمْ،وَ نَظَرُوا إِلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ مُطْمَئِنِّينَ، قَالَ يُونُسُ لِتَنُوخَا:يَا تَنُوخَا،كَذَبَنِي الْوَحْيُ،وَ كَذَبْتُ وَعْدِي لِقَوْمِي،لاَ وَ عِزَّةِ رَبِّي لاَ يَرَوْنَ لِي وَجْهاً أَبَداً بَعْدَ مَا كَذَبَنِي الْوَحْيُ [٢] فَانْطَلَقَ يُونُسُ هَارِباً عَلَى وَجْهِهِ،مُغَاضِباً لِرَبِّهِ [٣]،نَاحِيَةَ بَحْرِ أَيْلَةَ مُتَنَكِّراً،فِرَاراً مِنْ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ،فَيَقُولَ لَهُ:يَا كَذَّابُ،فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغٰاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [٤]الْآيَةَ.
وَ رَجَعَ تَنُوخَا إِلَى الْقَرْيَةِ،فَلَقِيَ رُوبِيلَ،فَقَالَ لَهُ:يَا تَنُوخَا،أَيُّ الرَّأْيَيْنِ كَانَ أَصْوَبَ وَ أَحَقَّ أَنْ يُتَّبَعَ:رَأْيِي،أَوْ رَأْيُكَ؟ فَقَالَ لَهُ تَنُوخَا:بَلْ رَأْيُكَ كَانَ أَصْوَبَ،وَ لَقَدْ كُنْتَ أَشَرْتَ بِرَأْيِ الْحُكَمَاءِ وَ الْعُلَمَاءِ.
وَ قَالَ لَهُ تَنُوخَا:أَمَا إِنِّي لَمْ أَزَلْ أَرَى أَنِّي أَفْضَلُ مِنْكَ لِزُهْدِي وَ فَضْلِ عِبَادَتِي،حَتَّى اسْتَبَانَ فَضْلُكَ لِفَضْلِ عِلْمِكَ،وَ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ مَعَ التَّقْوَى أَفْضَلُ مِنَ الزُّهْدِ وَ الْعِبَادَةِ بِلاَ عِلْمٍ.فَاصْطَحَبَا فَلَمْ يَزَالاَ مُقِيمَيْنِ مَعَ قَوْمِهِمَا،وَ مَضَى يُونُسُ عَلَى وَجْهِهِ مُغَاضِباً لِرَبِّهِ،فَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ إِلَى قَوْلِهِ: فَآمَنُوا فَمَتَّعْنٰاهُمْ إِلىٰ حِينٍ [٥]».
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ:قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):كَمْ كَانَ غَابَ يُونُسُ عَنْ قَوْمِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ وَ الرِّسَالَةِ فَآمَنُوا بِهِ وَ صَدَّقُوهُ؟ قَالَ:«أَرْبَعَةَ أَسَابِيعَ:سَبْعاً مِنْهَا:فِي ذَهَابِهِ إِلَى الْبَحْرِ،وَ سَبْعاً مِنْهَا فِي رُجُوعِهِ إِلَى قَوْمِهِ».
فَقُلْتُ لَهُ:وَ مَا هَذِهِ الْأَسَابِيعُ شُهُورٌ،أَوْ أَيَّامٌ،أَوْ سَاعَاتٌ؟ فَقَالَ:«يَا أَبَا عُبَيْدَةَ،إِنَّ الْعَذَابَ أَتَاهُمْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ،فِي النِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ،وَ صُرِفَ عَنْهُمْ مِنْ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ يُونُسُ مُغَاضِباً فَمَضَى يَوْمَ الْخَمِيسِ،سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي مَسِيرِهِ إِلَى الْبَحْرِ،وَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي بَطْنِ الْحُوتِ،وَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بِالْعَرَاءِ،وَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي رُجُوعِهِ إِلَى قَوْمِهِ،فَكَانَ ذَهَابُهُ وَ رُجُوعُهُ مَسِيرَ ثَمَانِيَةٍ وَ عِشْرِينَ يَوْماً،ثُمَّ
[١] الحمّارة:أصحاب الحمير في السفر.«الصحاح-حمر-٢:٦٣٧».
[٢] قال المجلسي(رحمه اللّه):قوله(عليه السّلام):«بعد ما كذبني الوحي»أي باعتقاد القوم،البحار ١٧:٣٩٩.
[٣] قال المجلسي(رحمه اللّه):قوله:«مغاضبا لربّه»أي على قومه لربّه تعالى،أي كان غضبه للّه تعالى لا للهوى،أو خائفا عن تكذيب قومه لما تخلّف عنه من وعد ربّه،البحار ١٧:٣٩٩.
[٤] الأنبياء ٢١:٨٧.
[٥] الصافّات ٣٧:١٤٨.