البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٢ - يونس آيه ٩٨
أَنْ تَعْزِلُوا الْأَطْفَالَ عَنِ الْأُمَّهَاتِ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ فِي طَرِيقِ الْأَوْدِيَةِ،وَ تُوقِفُوا النِّسَاءَ وَ كُلَّ الْمَوَاشِي جَمِيعاً عَنْ أَطْفَالِهَا فِي سَفْحِ الْجَبَلِ،وَ يَكُونُ هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ،فَإِذَا رَأَيْتُمْ رِيحاً صَفْرَاءَ أَقْبَلَتْ مِنَ الْمَشْرِقِ،فَعِجُّوا عَجِيجاً،الْكَبِيرُ مِنْكُمْ وَ الصَّغِيرُ بِالصُّرَاخِ وَ الْبُكَاءِ،وَ التَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ،وَ التَّوْبَةِ إِلَيْهِ وَ الاِسْتِغْفَارِ لَهُ،وَ ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ إِلَى السَّمَاءِ،وَ قُولُوا:رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَ كَذَّبْنَا نَبِيَّكَ وَ تُبْنَا إِلَيْكَ مِنْ ذُنُوبِنَا،وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَ تَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ الْمُعَذَّبِينَ،فَاقْبَلْ تَوْبَتَنَا وَ ارْحَمْنَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.ثُمَّ لاَ تَمَلُّوا مِنَ الْبُكَاءِ وَ الصُّرَاخِ وَ التَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ وَ التَّوْبَةِ إِلَيْهِ حَتَّى تَتَوَارَى الشَّمْسُ بِالْحِجَابِ،أَوْ يَكْشِفَ اللَّهُ عَنْكُمُ الْعَذَابَ قَبْلَ ذَلِكَ.فَأَجْمَعَ رَأْيُ الْقَوْمِ جَمِيعاً عَلَى أَنْ يَفْعَلُوا مَا أَشَارَ بِهِ عَلَيْهِمْ رُوبِيلُ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ الَّذِي تَوَقَّعُوا فِيهِ الْعَذَابَ،تَنَحَّى رُوبِيلُ عَنِ الْقَرْيَةِ حَيْثُ يَسْمَعُ صُرَاخَهُمْ وَ يَرَى الْعَذَابَ إِذَا نَزَلَ،فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ مَا أَمَرَهُمْ رُوبِيلُ بِهِ،فَلَمَّا بَزَغَتِ الشَّمْسُ أَقْبَلَتْ رِيحٌ صَفْرَاءُ مُظْلِمَةٌ مُسْرِعَةٌ،لَهَا صَرِيرٌ وَ حَفِيفٌ وَ هَدِيرٌ،فَلَمَّا رَأَوْهَا عَجُّوا جَمِيعاً بِالصُّرَاخِ وَ الْبُكَاءِ وَ التَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ، وَ تَابُوا إِلَيْهِ وَ اسْتَغْفَرُوهُ،وَ صَرَخَتِ الْأَطْفَالُ بِأَصْوَاتِهَا تَطْلُبُ أُمَّهَاتِهَا،وَ عَجَّتْ سِخَالُ [١] الْبَهَائِمِ تَطْلُبُ الثَّدْيَ، وَ عَجَّتْ الْأَنْعَامُ تَطْلُبُ الرَّعْيَ،فَلَمْ يَزَالُوا بِذَلِكَ وَ يُونُسُ وَ تَنُوخَا يَسْمَعَانِ ضَجِيجَهُمْ [٢] وَ صُرَاخَهُمْ،وَ يَدْعُوَانِ اللَّهَ بِتَغْلِيظِ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ،وَ رُوبِيلُ فِي مَوْضِعِهِ يَسْمَعُ صُرَاخَهُمْ وَ عَجِيجَهُمْ،وَ يَرَى مَا نَزَلَ،وَ هُوَ يَدْعُو اللَّهَ بِكَشْفِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ.
فَلَمَّا أَنْ زَالَتِ الشَّمْسُ،وَ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ،وَ سَكَنَ غَضَبُ الرَّبِّ تَعَالَى،رَحِمَهُمُ الرَّحْمَنُ فَاسْتَجَابَ دُعَاءَهُمْ،وَ قَبِلَ تَوْبَتَهُمْ،وَ أَقَالَهُمْ عَثْرَتَهُمْ،وَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِسْرَافِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):أَنِ اهْبِطْ إِلَى قَوْمِ يُونُسَ،فَإِنَّهُمْ قَدْ عَجُّوا إِلَيَّ بِالْبُكَاءِ وَ التَّضَرُّعِ،وَ تَابُوا إِلَيَّ وَ اسْتَغْفَرُونِي،فَرَحِمْتُهُمْ وَ تُبْتُ عَلَيْهِمْ،وَ أَنَا اللَّهُ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ،أَسْرَعُ إِلَى قَبُولِ تَوْبَةِ عَبْدِيَ التَّائِبِ مِنَ الذُّنُوبِ،وَ قَدْ كَانَ عَبْدِي يُونُسُ وَ رَسُولِي سَأَلَنِي نُزُولَ الْعَذَابِ عَلَى قَوْمِهِ،وَ قَدْ أَنْزَلْتُهُ عَلَيْهِمْ،وَ أَنَا اللَّهُ أَحَقُّ مَنْ وَفَى بِعَهْدِهِ،وَ قَدْ أَنْزَلْتُهُ عَلَيْهِمْ،وَ لَمْ يَكُنِ اشْتَرَطَ يُونُسُ حِينَ سَأَلَنِي أَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ أَنْ أُهْلِكَهُمْ،فَاهْبِطْ إِلَيْهِمْ فَاصْرِفْ عَنْهُمْ مَا قَدْ نَزَلَ بِهِمْ مِنْ عَذَابِي.
فَقَالَ إِسْرَافِيلُ:يَا رَبِّ،إِنَّ عَذَابَكَ قَدْ بَلَغَ أَكْتَافَهُمْ،وَ كَادَ أَنْ يُهْلِكَهُمْ،وَ مَا أَرَاهُ إِلاَّ وَ قَدْ نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ،فَإِلَى أَيْنَ أَصْرِفُهُ؟ فَقَالَ اللَّهُ:كَلاَّ إِنِّي قَدْ أَمَرْتُ مَلاَئِكَتِي أَنْ يَصْرِفُوهُ،وَ لاَ يُنْزِلُوهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي فِيهِمْ وَ عَزِيمَتِي،فَاهْبِطْ -يَا إِسْرَافِيلُ-عَلَيْهِمْ،وَ اصْرِفْهُ عَنْهُمْ،وَ اضْرِبْ بِهِ إِلَى الْجِبَالِ بِنَاحِيَةِ مَفَائِضَ الْعُيُونِ وَ مَجَارِي السُّيُولِ فِي الْجِبَالِ الْعَاتِيَةِ،الْمُسْتَطِيلَةِ عَلَى الْجِبَالِ،فَأَذِلَّهَا بِهِ وَ لَيِّنْهَا حَتَّى تَصِيرَ مُلْتَئِمَةً [٣] حَدِيداً جَامِداً.فَهَبَطَ إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِمْ فَنَشَرَ أَجْنِحَتَهُ فَاسْتَاقَ بِهَا ذَلِكَ الْعَذَابَ،حَتَّى ضَرَبَ بِهَا تِلْكَ الْجِبَالَ الَّتِي أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَيْهَا-قَالَ أَبُو
[١] السخال:جمع سخلة،ولد الغنم ذكرا كان أو أنثى.«الصحاح-سخل-٥:١٨٧٢٨».
[٢] في«ط»:صيحتهم.
[٣] في المصدر:مليّنة.