البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٧٢ - الحجّ آيه ٢٧
جَبْرَئِيلُ-وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى خَلْفِهِ-يَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَ مَنْ لَمْ يَسُقْ هَدْياً أَنْ يُحِلَّ،وَ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا أَمَرْتُكُمْ،وَ لَكِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ،وَ لاَ يَنْبَغِي لِسَائِقِ الْهَدْيِ أَنْ يُحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ».
قَالَ:«فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ:لَنَخْرُجَنَّ حُجَّاجاً وَ رُءُوسُنَا وَ شُعُورُنَا تَقْطُرُ.فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَمَا إِنَّكَ لَنْ تُؤْمِنَ بِهَذَا أَبَداً.
فَقَالَ:سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْكِنَانِيُّ [١]:يَا رَسُولَ اللَّهِ،عُلِّمْنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الْيَوْمَ،فَهَذَا الَّذِي أَمَرْتَنَا بِهِ لِعَامِنَا هَذَا،أَمْ لِمَا يَسْتَقْبِلُ؟فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):بَلْ هُوَ لِلْأَبَدِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.ثُمَّ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ،وَ قَالَ:
دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
قَالَ:«وَ قَدِمَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مِنَ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ هُوَ بِمَكَّةَ،فَدَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ(عَلَيْهَا السَّلاَمُ) وَ قَدْ أَحَلَّتْ،فَوَجَدَ رِيحاً طَيِّباً،وَ وَجَدَ عَلَيْهَا ثِيَاباً مَصْبُوغَةً،فَقَالَ:مَا هَذَا،يَا فَاطِمَةُ؟فَقَالَتْ:أَمَرَنَا بِهَذَا رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).فَخَرَجَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مُسْتَفْتِياً،فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنِّي رَأَيْتُ فَاطِمَةَ قَدْ أَحَلَّتْ،وَ عَلَيْهَا ثِيَابٌ مَصْبُوغَةٌ؟فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَنَا أَمَرْتُ النَّاسَ بِذَلِكَ،فَأَنْتَ-يَا عَلِيُّ-بِمَا أَهْلَلْتَ؟قَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِهْلاَلاً كَإِهْلاَلِ النَّبِيِّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):قِرَّ عَلَى إِحْرَامِكَ مِثْلِي،وَ أَنْتَ شَرِيكِي فِي هَدْيِي».
قَالَ:«وَ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِمَكَّةَ بِالْبَطْحَاءِ هُوَ وَ أَصْحَابُهُ،وَ لَمْ يَنْزِلِ الدُّورَ،فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَغْتَسِلُوا وَ يُهِلُّوا بِالْحَجِّ،وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):
فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ [٢]فَخَرَجَ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ أَصْحَابُهُ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ حَتَّى أَتَى مِنًى،فَصَلَّى الظُّهْرَ وَ الْعَصْرَ وَ الْمَغْرِبَ وَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ وَ الْفَجْرَ،ثُمَّ غَدَا وَ النَّاسُ مَعَهُ،وَ كَانَتْ قُرَيْشٌ تُفِيضُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ،وَ هِيَ جَمْعٌ،وَ يَمْنَعُونَ النَّاسَ أَنْ يُفِيضُوا مِنْهَا،فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ قُرَيْشٌ تَرْجُو أَنْ تَكُونَ إِفَاضَتُهُ مِنْ حَيْثُ كَانُوا يُفِيضُونَ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللّٰهَ [٣]يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ(عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)فِي إِفَاضَتِهِمْ مِنْهَا،وَ مَنْ كَانَ بَعْدَهُمْ،فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ قُبَّةَ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَدْ مَضَتْ،كَأَنَّهُ دَخَلَ فِي أَنْفُسِهِمْ شَيْءٌ لِلَّذِي كَانُوا يَرْجُونَ مِنَ الْإِفَاضَةِ مِنْ مَكَانِهِمْ،حَتَّى انْتَهَى إِلَى نَمِرَةَ،وَ هِيَ بَطْنُ عَرَفَةَ [٤] بِحِيَالِ الْأَرَاكِ،فَضُرِبَتْ قُبَّتُهُ،وَ ضَرَبَ النَّاسُ أَخْبِيَتَهُمْ عِنْدَهَا.
فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ مَعَهُ قُرَيْشٌ،وَ قَدِ اغْتَسَلَ وَ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ حَتَّى وَقَفَ
[١] سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي الكنانيّ:أبو سفيان،صحابي،له شعر،كان ينزل قديدا،و كان في الجاهلية قائفا-أي يقتصّ الأثر،و يصيب الفراسة،و قد اشتهر بهذا من العرب آل كنانة،و من كنانة آل مدلج-أخرجه أبو سفيان ليقتاف أثر رسول(صلّى اللّه عليه و آله)حين خرج إلى الغار، و أسلم بعد غزوة الطائف سنة(٨)ه،و توفّي سنة(٢٤)ه،طبقات ابن سعد ١:٢٣٢،الإصابة ٣:١٩.
[٢] آل عمران ٣:٩٥.
[٣] البقرة ٢:١٩٩.
[٤] في«ي»و نسخة من«ط»و المصدر:عرنة.