البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٥٢ - الكهف آيه ٨٢-٥٦
فِي تَابُوتِهِ،وَ جَمِيعَ الْعِلْمِ قَدْ كُتِبَ لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ،كَمَا يَظُنُّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ فُقَهَاءُ وَ عُلَمَاءُ،وَ أَنَّهُمْ قَدْ أَثْبَتُوا جَمِيعَ الْعِلْمِ وَ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ مِمَّا تَحْتَاجُ هَذِهِ الْأُمَّةُ إِلَيْهِ،وَ صَحَّ لَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ عَلِمُوهُ وَ حَفِظُوهُ، وَ لَيْسَ كُلُّ عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَلِمُوهُ،وَ لاَ صَارَ إِلَيْهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ لاَ عَرَفُوهُ،وَ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْءَ مِنَ الْحَلاَلِ وَ الْحَرَامِ وَ الْأَحْكَامِ يَرِدُ عَلَيْهِمْ فَيُسْأَلُونَ عَنْهُ،وَ لاَ يَكُونُ عِنْدَهُمْ فِيهِ أَثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَنْسُبَهُمُ النَّاسُ إِلَى الْجَهْلِ،وَ يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْأَلُوا فَلاَ يُجِيبُوا فَيَطْلُبُ النَّاسُ الْعِلْمَ مِنْ مَعْدِنِهِ،فَلِذَلِكَ اسْتَعْمَلُوا الرَّأْيَ وَ الْقِيَاسَ فِي دِينِ اللَّهِ،وَ تَرَكُوا الْآثَارَ،وَ دَانُوا اللَّهَ بِالْبِدَعِ،وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ.
فَلَوْ أَنَّهُمْ إِذَا سُئِلُوا عَنْ شَيْءٍ مِنْ دِينِ اللَّهِ،فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنْهُ أَثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ،رَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ،لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ-مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ(عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)-وَ الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ مِنَّا الْعَدَاوَةُ وَ الْحَسَدُ لَنَا،لاَ وَ اللَّهِ مَا حَسَدَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)الْعَالِمَ-وَ مُوسَى نَبِيُّ اللَّهِ يُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِ-حَيْثُ لَقِيَهُ وَ اسْتَنْطَقَهُ وَ عَرَفَهُ بِالْعِلْمِ،وَ لَمْ يَحْسُدْهُ كَمَا حَسَدَتْنَا هَذِهِ الْأُمَّةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَلَى مَا عَلِمْنَا وَ مَا وَرِثْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ لَمْ يَرْغَبُوا إِلَيْنَا فِي عِلْمِنَا كَمَا رَغِبَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)إِلَى الْعَالِمِ وَ سَأَلَهُ الصُّحْبَةَ،لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ، وَ يُرْشِدَهُ،فَلَمَّا أَنْ سَأَلَ الْعَالِمَ ذَلِكَ،عَلِمَ الْعَالِمُ أَنَّ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)لاَ يَسْتَطِيعُ صُحْبَتَهُ،وَ لاَ يَحْتَمِلُ عِلْمَهُ،وَ لاَ يَصْبِرُ مَعَهُ،فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ الْعَالِمُ: وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلىٰ مٰا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً فَقَالَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)لَهُ،وَ هُوَ خَاضِعٌ لَهُ يَسْتَعْطِفُهُ عَلَى نَفْسِهِ كَيْ يَقْبَلَهُ: سَتَجِدُنِي إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ صٰابِراً وَ لاٰ أَعْصِي لَكَ أَمْراً وَ قَدْ كَانَ الْعَالِمُ يَعْلَمُ أَنَّ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)لاَ يَصْبِرُ عَلَى عِلْمِهِ.
فَكَذَلِكَ-وَ اللَّهِ،يَا إِسْحَاقَ بْنَ عَمَّارٍ-حَالُ قُضَاةِ هَؤُلاَءِ وَ فُقَهَائِهِمْ وَ جَمَاعَتِهِمُ الْيَوْمَ،لاَ يَحْتَمِلُونَ-وَ اللَّهِ-عِلْمَنَا وَ لاَ يَقْبَلُونَهُ وَ لاَ يُطِيقُونَهُ،وَ لاَ يَأْخُذُونَ بِهِ،وَ لاَ يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ،كَمَا لَمْ يَصْبِرْ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَلَى عِلْمِ الْعَالِمِ حِينَ صَحِبَهُ وَ رَأَى مَا رَأَى مِنْ عِلْمِهِ،وَ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مَكْرُوهاً،وَ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ رِضًا وَ هُوَ الْحَقُّ،وَ كَذَلِكَ عِلْمُنَا عِنْدَ الْجَهَلَةِ مَكْرُوهٌ لاَ يُؤْخَذُ،وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَقُّ».
٩٩-/٦٧٢٢ _١٦- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَيَابَةَ،عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)قَالَ: «إِنَّ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَ كَانَ مِنْبَرُهُ ثَلاَثَ مَرَاقٍ [١]،فَحَدَّثَ نَفْسَهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً أَعْلَمَ مِنْهُ،فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فَقَالَ لَهُ:إِنَّكَ قَدِ ابْتُلِيتَ،فَانْزِلْ فَإِنَّ فِي الْأَرْضِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ فَاطْلُبْهُ؛فَأَرْسَلَ إِلَى يُوشَعَ:أَنِّي قَدِ ابْتُلِيتُ،فَاصْنَعْ لَنَا زَاداً وَ انْطَلِقْ بِنَا؛فَاشْتَرَى حُوتاً مِنَ الْحِيتَانِ الْحَيَّةِ،فَخَرَجَ بِأَذْرَبِيجَانَ،ثُمَّ شَوَاهُ،ثُمَّ حَمَلَهُ فِي مِكْتَلٍ،ثُمَّ انْطَلَقَا يَمْشِيَانِ فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ،وَ النَّبِيُّ إِذَا مَرَّ فِي مَكَانٍ لَمْ يَعْيَ أَبَداً حَتَّى يَجُوزَ ذَلِكَ الْوَقْتُ».
قَالَ:فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ إِذِ انْتَهَيَا إِلَى شَيْخٍ مُسْتَلْقٍ،مَعَهُ عَصَاهُ مَوْضُوعَةٌ إِلَى جَانِبِهِ،وَ عَلَيْهِ كِسَاءٌ إِذَا قَنَّعَ رَأْسَهُ
[١] المرقاة:الدرجة،واحدة من مراقي الدّرج.«لسان العرب-رقا-١٤:٣٣٢».