البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٧٤ - الإسراء آيه ١
الْمَقْدِسِ،حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ).
ثُمَّ رَكِبْتُ فَمَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ،فَرَبَطْتُ الْبُرَاقَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَرْبِطُ بِهَا،فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ،وَ مَعِي جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)إِلَى جَنْبِي،فَوَجَدْنَا إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى(عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)،فِيمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ،قَدْ جُمِعُوا إِلَيَّ،وَ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ،وَ لاَ أَشُكُّ إِلاَّ وَ جَبْرَئِيلُ يَسْتَقْدِمُنَا،فَلَمَّا اسْتَوَوْا أَخَذَ جَبْرَئِيلُ بِعَضُدِي،فَقَدَّمَنِي فَأَمَمْتُهُمْ وَ لاَ فَخْرَ.
ثُمَّ أَتَانِي الْخَازِنُ بِثَلاَثَةِ أَوَانٍ:إِنَاءٍ فِيهِ لَبَنٌ،وَ إِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ،وَ إِنَاءٍ فِيهِ خَمْرٌ،فَسَمِعْتُ قَائِلاً يَقُولُ:إِنْ أَخَذَ الْمَاءَ غَرِقَ وَ غَرِقَتْ أُمَّتُهُ،وَ إِنْ أَخَذَ الْخَمْرَ غَوَى وَ غَوَتْ أُمَّتُهُ،وَ إِنْ أَخَذَ اللَّبَنَ هُدِيَ وَ هُدِيَتْ أُمَّتُهُ.فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُ مِنْهُ،فَقَالَ جَبْرَئِيلُ:هُدِيتَ وَ هُدِيَتْ أُمَّتُكَ.ثُمَّ قَالَ لِي:مَاذَا رَأَيْتَ فِي مَسِيرِكَ؟قُلْتُ:نَادَانِي مُنَادٍ عَنْ يَمِينِي.فَقَالَ لِي:أَ وَ أَجَبْتَهُ؟فَقُلْتُ:لاَ،وَ لَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهِ.فَقَالَ:ذَلِكَ دَاعِي الْيَهُودِ،لَوْ أَجَبْتَهُ لَتَهَوَّدَتْ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ.ثُمَّ قَالَ:مَاذَا رَأَيْتَ؟قُلْتُ:نَادَانِي مُنَادٍ عَنْ يَسَارِي.فَقَالَ:أَ وَ أَجَبْتَهُ؟فَقُلْتُ:لاَ،وَ لَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهِ.فَقَالَ:ذَلِكَ دَاعِي النَّصَارَى،لَوْ أَجَبْتَهُ لَتَنَصَّرَتْ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ.ثُمَّ قَالَ:مَاذَا اسْتَقْبَلَكَ؟فَقُلْتُ:لَقِيتُ امْرَأَةً كَاشِفَةً عَنْ ذِرَاعَيْهَا،عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةِ الدُّنْيَا،فَقَالَتْ:يَا مُحَمَّدُ،انْظُرْنِي حَتَّى أُكَلِّمَكَ.فَقَالَ لِي:أَ فَكَلَّمْتَهَا؟فَقُلْتُ:لَمْ أُكَلِّمْهَا،وَ لَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهَا.فَقَالَ:تِلْكَ الدُّنْيَا،وَ لَوْ كَلَّمْتَهَا لاَخْتَارَتْ أُمَّتُكَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ.ثُمَّ سَمِعْتُ صَوْتاً أَفْزَعَنِي،فَقَالَ لِي جَبْرَئِيلُ:أَ تَسْمَعُ،يَا مُحَمَّدُ؟قُلْتُ:نَعَمْ.قَالَ:هَذِهِ صَخْرَةٌ قَذَفْتُهَا عَنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً،فَهَذَا حِينَ اسْتَقَرَّتْ.
قَالُوا:فَمَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)حَتَّى قُبِضَ.
قَالَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):فَصَعِدَ جَبْرَئِيلُ وَ صَعِدْتُ مَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا،وَ عَلَيْهَا مَلَكٌ يُقَالُ لَهُ:إِسْمَاعِيلُ،وَ هُوَ صَاحِبُ الْخَطْفَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: إِلاّٰ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهٰابٌ ثٰاقِبٌ [١]وَ تَحْتَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ،تَحْتَ كُلِّ مَلَكٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ،فَقَالَ:يَا جَبْرَئِيلُ،مَنْ هَذَا الَّذِي مَعَكَ؟فَقَالَ:مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.قَالَ:وَ قَدْ بُعِثَ؟قَالَ:نَعَمْ.فَفَتَحَ الْبَابَ،فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ عَلَيَّ،وَ اسْتَغْفَرْتُ لَهُ وَ اسْتَغْفَرَ لِي،وَ قَالَ:مَرْحَباً بِالْأَخِ[النَّاصِحِ وَ النَّبِيِّ]الصَّالِحِ.وَ تَلَقَّتْنِي الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى دَخَلْتُ سَمَاءَ الدُّنْيَا،فَمَا لَقِيَنِي مَلَكٌ إِلاَّ ضَاحِكاً مُسْتَبْشِراً حَتَّى لَقِيَنِي مَلَكٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ،لَمْ أَرَ خَلْقاً أَعْظَمَ مِنْهُ،كَرِيهُ الْمَنْظَرِ،ظَاهِرُ الْغَضَبِ،فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالُوا مِنَ الدُّعَاءِ،إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَضْحَكْ،وَ لَمْ أَرَ فِيهِ مِنَ الاِسْتِبْشَارِ مَا رَأَيْتُ مِمَّنْ ضَحِكَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ،فَقُلْتُ:مَنْ هَذَا-يَا جَبْرَئِيلُ-فَإِنِّي قَدْ فَزِعْتُ مِنْهُ؟فَقَالَ:يَجُوزُ أَنْ تَفْزَعَ مِنْهُ،وَ كُلُّنَا نَفْزَعُ مِنْهُ،إِنَّ هَذَا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ،لَمْ يَضْحَكْ قَطُّ،وَ لَمْ يَزَلْ مُنْذُ وَلاَّهُ اللَّهُ جَهَنَّمَ يَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ غَضَباً وَ غَيْظاً عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ،وَ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ،فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ،وَ لَوْ ضَحِكَ إِلَى أَحَدٍ كَانَ قَبْلَكَ أَوْ كَانَ ضَاحِكاً إِلَى أَحَدٍ بَعْدَكَ لَضَحِكَ إِلَيْكَ،وَ لَكِنَّهُ لاَ يَضْحَكُ.فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ،فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلاَمَ وَ بَشَّرَنِي بِالْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لِجَبْرَئِيلَ،وَ جَبْرَئِيلُ بِالْمَكَانِ الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ: مُطٰاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [٢]:أَ لاَ تَأْمُرُهُ أَنْ يُرِيَنِي النَّارَ؟فَقَالَ لَهُ
[١] الصافّات ٣٧:١٠.
[٢] التكوير ٨١:٢١.