البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٧٥ - الإسراء آيه ١
جَبْرَئِيلُ:يَا مَالِكُ،أَرِ مُحَمَّداً النَّارَ.فَكَشَفَ عَنْهَا غِطَاءَهَا،وَ فَتَحَ بَاباً مِنْهَا،فَخَرَجَ مِنْهَا لَهَبٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ، وَ فَارَتْ فَارْتَفَعَتْ [١] حَتَّى ظَنَنْتُ لَيَتَنَاوَلُنِي مِمَّا رَأَيْتُ،فَقُلْتُ:يَا جَبْرَئِيلُ،قُلْ لَهُ فَلْيَرُدَّ عَلَيْهَا غِطَاءَهَا.فَأَمَرَهَا فَقَالَ لَهَا:اِرْجِعِي.فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ.
ثُمَّ مَضَيْتُ فَرَأَيْتُ رَجُلاً آدما [آدَمَ] [٢] جَسِيماً،فَقُلْتُ:مَنْ هَذَا،يَا جَبْرَئِيلُ؟فَقَالَ:هَذَا أَبُوكَ آدَمُ.فَإِذَا هُوَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ ذُرِّيَّتُهُ،فَيَقُولُ:رُوحٌ طَيِّبٌ وَ رِيحٌ طَيِّبَةٌ،مِنْ جَسَدٍ طَيِّبٍ،ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)سُورَةَ الْمُطَفِّفِينَ عَلَى رَأْسِ سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً: كَلاّٰ إِنَّ كِتٰابَ الْأَبْرٰارِ لَفِي عِلِّيِّينَ* وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا عِلِّيُّونَ* كِتٰابٌ مَرْقُومٌ [٣]إِلَى آخِرِهَا.
قَالَ:فَسَلَّمْتُ عَلَى أَبِي آدَمَ وَ سَلَّمَ عَلَيَّ،وَ اسْتَغْفَرْتُ لَهُ وَ اسْتَغْفَرَ لِي،وَ قَالَ:مَرْحَباً بِالاِبْنِ الصَّالِحِ،وَ النَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَ الْمَبْعُوثِ فِي الزَّمَنِ الصَّالِحِ.
ثُمَّ مَرَرْتُ بِمَلَكٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ وَ هُوَ جَالِسٌ عَلَى مَجْلِسٍ،وَ إِذَا جَمِيعُ الدُّنْيَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ،وَ إِذَا بِيَدِهِ لَوْحٌ مِنْ نُورٍ، مَكْتُوبٌ فِيهِ كِتَابٌ يَنْظُرُ فِيهِ،وَ لاَ يَلْتَفِتُ يَمِيناً وَ لاَ شِمَالاً،مُقْبِلاً عَلَيْهِ كَهَيْئَةِ الْحَزِينِ،فَقُلْتُ:مَنْ هَذَا،يَا جَبْرَئِيلُ؟ فَقَالَ:هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ،دَائِبٌ فِي قَبْضِ الْأَرْوَاحِ.فَقُلْتُ:يَا جَبْرَئِيلُ،أَدْنِنِي مِنْهُ حَتَّى أُكَلِّمَهُ.فَأَدْنَانِي مِنْهُ،فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ،وَ قَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ:هَذَا مُحَمَّدٌ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى الْعِبَادِ،فَرَحَّبَ بِي وَ حَيَّانِي بِالسَّلاَمِ،وَ قَالَ:أَبْشِرْ -يَا مُحَمَّدُ-فَإِنِّي أَرَى الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي أُمَّتِكَ.فَقُلْتُ:اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَنَّانِ ذِي النِّعَمِ وَ الْإِحْسَانِ عَلَى عِبَادِهِ،ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ رَبِّي وَ رَحْمَتِهِ عَلَيَّ.فَقَالَ جَبْرَئِيلُ:هُوَ أَشَدُّ الْمَلاَئِكَةِ عَمَلاً.فَقُلْتُ:أَ كُلُّ مَنْ مَاتَ،أَوْ هُوَ مَيِّتٌ فِيمَا بَعْدَ هَذَا،تَقْبِضُ رُوحَهُ؟قَالَ:نَعَمْ.قُلْتُ:تَرَاهُمْ حَيْثُ كَانُوا وَ تَشْهَدُهُمْ بِنَفْسِكَ؟فَقَالَ:نَعَمْ.وَ قَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ:مَا الدُّنْيَا كُلُّهَا عِنْدِي فِيمَا سَخَّرَهَا اللَّهُ لِي وَ مَكَّنَنِي مِنْهَا،إِلاَّ كَالدِّرْهَمِ فِي كَفِّ الرَّجُلِ،يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ،وَ مَا مِنْ دَارٍ إِلاَّ وَ أَنَا أَتَصَفَّحُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ،وَ أَقُولُ إِذَا بَكَى أَهْلُ الْمَيِّتِ عَلَى مَيِّتِهِمْ:لاَ تَبْكُوا عَلَيْهِ،فَإِنَّ لِي فِيكُمْ عَوْدَةً وَ عَوْدَةً حَتَّى لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ.قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):كَفَى بِالْمَوْتِ طَامَّةً،يَا جَبْرَئِيلُ.فَقَالَ جَبْرَئِيلُ:إِنَّ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَطَمُّ وَ أَطَمُّ مِنَ الْمَوْتِ.
قَالَ:ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَوَائِدُ مِنْ لَحْمٍ طَيِّبٍ وَ لَحْمٍ خَبِيثٍ،يَأْكُلُونَ اللَّحْمَ الْخَبِيثَ وَ يَدَعُونَ الطَّيِّبَ،فَقُلْتُ:مَنْ هَؤُلاَءِ،يَا جَبْرَئِيلُ؟فَقَالَ:هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْحَرَامَ وَ يَدَعُونَ الْحَلاَلَ،وَ هُمْ مِنْ أُمَّتِكَ،يَا مُحَمَّدُ.
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):ثُمَّ رَأَيْتُ مَلَكاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ،جَعَلَ اللَّهُ أَمْرَهُ عَجَباً،نِصْفُ جَسَدِهِ مِنَ النَّارِ وَ النِّصْفُ الْآخَرُ ثَلْجٌ،فَلاَ النَّارُ تُذِيبُ الثَّلْجَ وَ لاَ الثَّلْجُ يُطْفِئُ النَّارَ،وَ هُوَ يُنَادِي بِصَوْتٍ رَفِيعٍ:سُبْحَانَ الَّذِي كَفَّ حَرَّ هَذِهِ النَّارِ فَلاَ تُذِيبُ الثَّلْجَ،وَ كَفَّ بَرْدَ هَذَا الثَّلْجِ فَلاَ يُطْفِئُ حَرَّ هَذِهِ النَّارِ،اللَّهُمَّ يَا مُؤَلِّفُ بَيْنَ الثَّلْجِ وَ النَّارِ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ.فَقُلْتُ:مَنْ هَذَا يَا جَبْرَئِيلُ؟فَقَالَ:هَذَا مَلَكٌ وَكَّلَهُ اللَّهُ بِأَكْنَافِ السَّمَاوَاتِ وَ أَطْرَافِ الْأَرَضِينَ،
[١] في المصدر:فارتعدت.
[٢] الآدم من الناس:الأسمر.«لسان العرب-أدم-١٢:١١».
[٣] المطففين ٨٣:١٨-٢٠.