البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٦٠ - الحجر آيه ٣٨-٢٧
لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ أَنْتَ سُبْحٰانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّٰالِمِينَ [١] .و قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص [٢]:كان قوله: رَبَّنٰا ظَلَمْنٰا أَنْفُسَنٰا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنٰا وَ تَرْحَمْنٰا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخٰاسِرِينَ [٣]و قيل:كان قوله:سبحانك لا إله إلاّ أنت عملت سوءا و ظلمت نفسي،فتب علي يا خير التوابين،قال:فهذه الكلمات التي قالها اللّه تعالى: فَتَلَقّٰى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمٰاتٍ فَتٰابَ عَلَيْهِ [٤]قال:فلما قالها آدم(عليه السلام)في سجوده نشر صوته [٥] في الآفاق،فجعلت الأرض و الجبال و البحار و الأشجار و الأطيار، يقولون له:يا آدم،قرت عيناك،و هناك في توبتك.
ثمّ أمر اللّه تعالى أن يبعث هذه الكلمات إلى حواء،فذكرها آدم(عليه السلام)فحملتها الريح إلى حواء فلما سمعتها استبشرت،و قالت:هذه كلمات و لغات لم أسمعهن قط و قد جعلهن توبة و رحمة،و هو أرحم الراحمين.
قال:فتكلمت بها و سجدت،و كانت توبتها،فلما فرغت من الكلمات،قال لها جبرئيل:ارفعي رأسك،فرفعته،فإذا لها حجاب من نور،و فتحت لها أبواب السماوات،و نودي لها بالتوبة و الغفران.
و قيل له:يا آدم،إن اللّه قبل توبتك.ثم ذهب ليقوم يمشي فلم يقدر،لأن رجليه رسخت في الأرض كعروق الشجر،حتى اقتلعه جبرئيل(عليه السلام)كاقتلاع العرق،فصاح آدم(عليه السلام)من الألم الذي داخله،و قال:«ما ذا تفعل الخطيئة!».فنظرت إليه الملائكة،و قد تغير لونه،و نحل جسمه،و ذهب نوره و بهاؤه،و قد حفرت الدموع في وجنتيه نهرين،فقالت الملائكة:يا آدم،ما الذي نزل بك من تغير الحال بعد الزينة و الحسن و الجمال،أين نور الجنان؟أين لباس الرضوان؟قال آدم:«هذا الذي وعدني فيه ربي،حين قال: إِنَّ لَكَ أَلاّٰ تَجُوعَ فِيهٰا وَ لاٰ تَعْرىٰ* وَ أَنَّكَ لاٰ تَظْمَؤُا فِيهٰا وَ لاٰ تَضْحىٰ [٦]».فقال جبرئيل(عليه السلام)للملائكة،كفوا عن آدم،و لا تعيروه بخطيئته،و لا توبخوه بذنبه،فقد محيت خطيئته،و غفر ذنبه.فعند ذلك استغفرت له الملائكة،فضرب جبرئيل بجناح الرحمة، فانفجرت عين ماء أشدّ رائحة من المسك،فاغتسل آدم(عليه السلام)بذلك الماء،و هو يقول:«اللّهمّ طهرتني من خطيئتي،و أخرجتني من كربي».فكساه حلتين من سندس الجنة.
و بعث اللّه ميكائيل إلى حواء،فبشرها و كساها،فلما عرفت قبول توبتها،انطلقت إلى الساحل و اغتسلت، و هي تبكي شوقا إلى آدم(عليه السلام)،فكل قطرة سقطت من دموعها في البحر انقلبت لؤلؤة و مرجانة و دررا و يواقيت،فانصرفت إلى موضعها تنتظر قدوم آدم(عليه السلام)،فجعل آدم(عليه السلام)يسأل جبرئيل(عليه السلام)عن
[١] الأنبياء ٢١:٨٧.
[٢] هو عبد اللّه بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم،صحابي،كان يكنّى أبا محمّد،و قيل:أبو عبد الرحمن،أسلم قبل أبيه، و شهد صفّين مع معاوية،و ولاه معاوية الكوفة لفترة قصيرة،و مات سنة خمس و ستّين عن اثنتين و سبعين سنة.«طبقات ابن سعد ٤:٢٦١، الإصابة ٢:٣٥١،حيلة الأولياء ١:٢٨٣».
[٣] الأعراف ٧:٢٣.
[٤] البقرة ٢:٣٧.
[٥] في«ط»و المصدر:دعوته.
[٦] طه ٢٠:١١٨ و ١١٩.