البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٥٠ - الحجر آيه ٣٨-٢٧
بِهِ الطَّاوُسُ وَ لَمْ يَظُنَّ أَنَّ أَحَداً يَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِباً،فَقَالَ:أَيُّهَا الشَّخْصُ،مَا أَحْوَجَنِي إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ،غَيْرَ أَنِّي أَخَافُ أَنَّ رِضْوَانَ خَازِنَ الْجِنَانِ يَسْتَخْبِرُنِي عَنْكَ،لَكِنْ أَبْعَثُ إِلَيْكَ بِالْحَيَّةِ،فَإِنَّهَا سَيِّدَةُ دَوَابِّ الْجَنَّةِ».
قَالَ:«وَ دَخَلَ الطَّاوُسُ الْجَنَّةَ،وَ ذَكَرَ لِلْحَيَّةِ جَمِيعَ ذَلِكَ فَقَالَتْ:وَ مَا أَحْوَجَنِي وَ إِيَّاكَ إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ.قَالَ الطَّاوُسُ:قَدْ ضَمِنْتُ لَهُ أَنْ أَبْعَثَ بِكِ إِلَيْهِ،فَانْطَلِقِي إِلَيْهِ سَرِيعاً قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَكِ سِوَاكِ،فَكَانَتِ الْحَيَّةُ يَوْمَئِذٍ عَلَى صُورَةِ الْجَمَلِ،وَ لَهَا قَوَائِمُ،وَ لَهَا زَغَبٌ مِثْلُ الْعَبْقَرِيِّ [١] مَا بَيْنَ أَسْوَدَ وَ أَبْيَضَ وَ أَحْمَرَ وَ أَخْضَرَ وَ أَصْفَرَ،وَ لَهَا رَائِحَةٌ كَرَائِحَةِ الْمِسْكِ الْمُشَابِ بِالْعَنْبَرِ،وَ كَانَ مَسْكَنُهَا فِي جَنَّةِ الْمَأْوَى،وَ مَبْرَكُهَا عَلَى سَاحِلِ نَهْرِ الْكَوْثَرِ،وَ كَلاَمُهَا التَّسْبِيحَ وَ الثَّنَاءَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،وَ قَدْ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِمِائَةِ عَامٍ،وَ كَانَتْ تَأْنَسُ بِحَوَّاءَ وَ آدَمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ تُخْبِرُهُمَا بِكُلِّ شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ.
فَخَرَجَتِ الْحَيَّةُ مُسْرِعَةً مِنْ بَابِ الْجَنَّةِ فَرَأَتْ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ عَلَى مَا وَصَفَهُ الطَّاوُسُ،فَتَقَدَّمَ إِلَيْهَا إِبْلِيسُ بِالْكَلاَمِ الطَّيِّبِ،وَ قَالَ لَهَا مِثْلَ مَا قَالَ لِلطَّاوُسِ،فَقَالَتِ الْحَيَّةُ:وَ كَيْفَ أُدْخِلُكَ وَ لاَ يَحِلُّ لَكَ رُكُوبِي؟فَقَالَ لَهَا إِبْلِيسُ:
إِنِّي أَرَى بَيْنَ نَابَيْكِ فُرْجَةً وَاسِعَةً،وَ اعْلَمِي أَنَّهَا تَسَعُنِي،وَ اجْعَلِينِي فِيهَا وَ أَدْخِلِينِي الْجَنَّةَ حَتَّى أُعَلِّمَكِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الثَّلاَثَ.فَقَالَتِ الْحَيَّةُ:إِذَا حَمَلْتُكَ فِي فَمِي،فَكَيْفَ أَتَكَلَّمُ إِذَا كَلَّمَنِي رِضْوَانُ؟فَقَالَ لَهَا اللَّعِينُ:لاَ عَلَيْكِ، فَإِنَّ مَعِي أَسْمَاءَ رَبِّي،إِذَا قُلْتُهَا لاَ يَنْطِقُ بِي وَ لاَ بِكِ أَحَدٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ.فَدَخَلَتْ وَ الْمَلاَئِكَةُ سَاهُونَ عَنْ مُحَاوَرَتِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ حَوَّاءَ كَانَتْ قَدِ افْتَقَدَتِ الْحَيَّةَ فَلَمْ تَجِدْهَا،وَ كَانَتْ مُؤْتَلِفَةً بِهَا لِحُسْنِ حَدِيثِهَا،وَ الْحَيَّةُ مَعَ إِبْلِيسَ يَحْلِفُ لَهَا وَ يُخَادِعُهَا-قَالَ-وَ لَمْ يَزَلْ إِبْلِيسُ يَحْلِفُ لَهَا وَ يَخْدَعُهَا،حَتَّى وَثِقَتْ بِهِ وَ فَتَحَتْ فَاهَا،فَوَثَبَ إِبْلِيسُ وَ قَعَدَ بَيْنَ أَنْيَابِهَا، وَ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ فَصَارَ نَابُهَا سَمّاً إِلَى آخِرِ الْأَبَدِ-قَالَ-فَضَمَّتْهُ الْحَيَّةُ وَ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ،وَ لَمْ يُكَلِّمْهَا رِضْوَانُ لِلْقَدَرِ وَ الْقَضَاءِ السَّابِقِ بِعِلْمِ الرَّحْمَنِ،حَتَّى إِذَا تَوَسَّطَتِ الْحَيَّةُ الْجَنَّةَ،قَالَتْ لَهُ:اُخْرُجْ مِنْ فَمِي وَ عَجِّلْ قَبْلَ أَنْ يَفْطُنَ بِكَ رِضْوَانُ.قَالَ إِبْلِيسُ:لاَ تَعْجَلِي،فَإِنَّمَا حَاجَتِي فِي الْجَنَّةِ آدَمُ وَ حَوَّاءُ،فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُكَلِّمَهُمَا مِنْ فِيكِ،فَإِنْ فَعَلْتِ ذَلِكِ عَلَّمْتُكِ الْكَلِمَاتِ الثَّلاَثَ.فَقَالَتِ الْحَيَّةُ:هَاتِيكَ قُبَّةُ حَوَّاءَ فَاخْرُجْ إِلَيْهَا وَ كَلِّمْهَا.قَالَ:لاَ أُكَلِّمُهَا إِلاَّ مِنْ فِيكِ،فَحَمَلَتْهُ الْحَيَّةُ إِلَى قُبَّةِ حَوَّاءَ،فَقَالَ إِبْلِيسُ مِنْ فَمِ الْحَيَّةِ:يَا حَوَّاءُ،يَا زِينَةَ الْجَنَّةِ،أَ لَسْتِ تَعْلَمِينَ أَنِّي مَعَكِ فِي الْجَنَّةِ،وَ أَنِّي أُحَدِّثُكِ وَ أُخْبِرُكِ بِكُلِّ مَا فِي الْجَنَّةِ،وَ أَنِّي صَادِقَةٌ فِي كُلِّ مَا أُحَدِّثُكِ بِهِ؟فَقَالَتْ حَوَّاءُ:نَعَمْ،وَ مَا عَرَفْتُكِ إِلاَّ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ.قَالَ إِبْلِيسُ:يَا حَوَّاءُ،أَخْبِرِينِي مَا الَّذِي أُحِلَّ لَكُمَا فِي الْجَنَّةِ،وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمَا؟فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا نَهَاهُمَا عَنْهُ.
فَقَالَ إِبْلِيسُ:وَ لِمَاذَا نَهَاكُمَا رَبَّكُمَا عَنْ شَجَرَةِ الْخُلْدِ؟قَالَتْ:لاَ عِلْمَ لِي بِذَلِكَ.قَالَ إِبْلِيسُ:أَنَا أَعْلَمُ،إِنَّمَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ بِكُمَا مِثْلَ مَا فَعَلَ بِذَلِكِ الْعَبْدِ الَّذِي مَأْوَاهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ،الَّذِي أَدْخَلَهُ قَبْلَ دُخُولِكُمَا بِأَلْفِ [٢]عَامٍ».
قَالَ:«فَوَثَبَتْ حَوَّاءُ مِنْ سَرِيرِهَا لِتَنْظُرَ ذَلِكَ الْعَبْدَ،فَخَرَجَ إِبْلِيسُ مِنْ فَمِ الْحَيَّةِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ،حَتَّى قَعَدَ
[١] العبقريّ:ضرب من البسط.«تاج العروس-عبقر-٣:٣٧٩».
[٢] في المصدر:بألفي.