البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٤٥ - الحجر آيه ٣٨-٢٧
وَ حَسَداً،فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مٰا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعٰالِينَ* قٰالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نٰارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [١]وَ النَّارُ تَأْكُلُ الطِّينَ،وَ أَنَا الَّذِي عَبَدْتُكَ دَهْراً طَوِيلاً قَبْلَ أَنْ تَخْلُقَهُ،وَ أَنَا الَّذِي كَسَوْتَنِي الرِّيشَ وَ النُّورَ،وَ أَنَا الَّذِي عَبَدْتُكَ فِي أَكْنَافِ السَّمَاوَاتِ مَعَ الْكَرُوبِيِّينَ وَ الصَّافِّينَ وَ الْمُسَبِّحِينَ [٢]وَ الرُّوحَانِيِّينَ وَ الْمُقَرَّبِينَ.قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:لَقَدْ عَلِمْتُ فِي سَابِقِ عِلْمِي مِنْ مَلاَئِكَتِي الطَّاعَةَ وَ مِنْكَ الْمَعْصِيَةَ،فَلَمْ يَنْفَعْكَ طُولُ الْعِبَادَةِ لِسَابِقِ الْعِلْمِ فِيكَ،وَ قَدْ أَبْلَسْتُكَ [٣] مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ إِلَى آخِرِ الْأَبَدِ،وَ جَعَلْتُكَ مَذْمُوماً مَدْحُوراً شَيْطَاناً رَجِيماً لَعَيْناً.فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغَيَّرَتْ خِلْقَتُهُ الْحَسَنَةُ إِلَى خِلْقَةٍ كَرِيهَةٍ مُشَوَّهَةٍ،فَوَثَبَ عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ بِحِرَابِهَا وَ هُمْ يَلْعَنُونَهُ،وَ يَقُولُونَ لَهُ:رَجِيمٌ مَلْعُونٌ،رَجِيمٌ مَلْعُونٌ.فَأَوَّلُ مَنْ طَعَنَهُ جَبْرَئِيلُ،ثُمَّ مِيكَائِيلُ،ثُمَّ إِسْرَافِيلُ،ثُمَّ عِزْرَائِيلُ، ثُمَّ جَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ،مِنَ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَ هُوَ هَارِبٌ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ،حَتَّى أَلْقَوْهُ فِي الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ،فَبَادَرَتْ إِلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ بِحِرَابٍ مِنْ نَارٍ،فَلَمْ يَزَالُوا يَطْعَنُونَهُ حَتَّى بَلَغُوهُ الْقَرَارَ،وَ غَابَ عَنْ عُيُونِ الْمَلاَئِكَةِ،وَ الْمَلاَئِكَةُ فِي اضْطِرَابٍ وَ السَّمَاوَاتُ فِي رَجَفَانٍ مِنْ جُرْأَةِ إِبْلِيسَ اللَّعِينِ وَ عِصْيَانِهِ أَمْرَ اللَّهِ.قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا [٤]حَتَّى عَرَفَ اللُّغَاتِ كُلَّهَا،حَتَّى لُغَاتِ الْحَيَّاتِ وَ الضَّفَادِعِ،وَ جَمِيعِ مَا فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ».
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:لَقَدْ تَكَلَّمَ آدَمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِسَبْعِمِائَةِ [٥] أَلْفِ أَلْفِ لُغَةٍ،أَفْضَلُهَا الْعَرَبِيَّةُ ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَلاَئِكَةَ أَنْ يَحْمِلُوا آدَمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَلَى أَكْتَافِهِمْ لِيَكُونَ عَالِياً عَلَيْهِمْ،وَ هُمْ يَقُولُونَ:سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ لاَ خُرُوجٌ عَنْ طَاعَتِكَ.
وَ سَارَتْ بِهِ فِي طُرُقِ السَّمَاوَاتِ وَ قَدِ اصْطَفَّتْ حَوْلَهُ الْمَلاَئِكَةُ،فَلاَ يَمُرُّ آدَمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَلَى صَفٍّ إِلاَّ وَ يَقُولُ:«السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ،يَا مَلاَئِكَةَ رَبِّي».فَيُجِيبُونَهُ:وَ عَلَيْكَ السَّلاَمُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ،يَا صَفْوَةَ اللَّهِ وَ رُوحَهُ وَ فِطْرَتَهُ.
وَ ضَرَبَ لَهُ فِي الصَّفِيحِ الْأَعْلَى قِبَاباً مِنَ الْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ،وَ مِنَ الزَّبَرْجَدِ الْأَخْضَرِ،فَمَا مَرَّ آدَمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِمَوْقِفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ وَ مَقَامِ النَّبِيِّينَ إِلاَّ وَ سَمَّاهُ بِاسْمِهِ وَ اسْمِ أَصْحَابِهِ،وَ عَلَى آدَمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)يَوْمَئِذٍ ثِيَابُ السُّنْدُسِ الْأَخْضَرِ فِي رِقَّةِ الْهَوَاءِ،وَ لَهُ ظَفِيرَتَانِ مُرَصَّعَتَانِ بِالدُّرِّ وَ الْجَوَاهِرِ،مَحْشُوَّتَانِ بِالْمِسْكِ الْأَذْفَرِ [٦] وَ الْعَنْبَرِ عَلَى قَامَةِ آدَمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مِنْ رَأْسِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ،وَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ ذَهَبٍ مُرَصَّعٌ بِالْجَوْهَرِ وَ الْعَنْبَرِ وَ الْفَيْرُوزَجِ الْأَخْضَرِ،لَهُ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ،وَ فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا دُرَّةٌ عَظِيمَةٌ يَغْلِبُ ضَوْؤُهَا عَلَى ضَوْءِ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ،وَ فِي أَصَابِعِهِ خَوَاتِيمُ الْكَرَامَةِ،وَ فِي وَسَطِهِ مِنْطَقَةُ الرِّضْوَانِ،وَ لَهَا نُورٌ يَسْطَعُ فِي كُلِّ غُرْفَةٍ،فَوَقَفَ آدَمُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي هَذِهِ الزِّينَةِ،وَ قَدْ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا،وَ أَعْطَاهُ قَضِيباً مِنْ نُورٍ،فَتَحَيَّرَ الْمَلاَئِكَةُ فِيهِ،فَقَالُوا:إِلَهَنَا،خَلَقْتَ خَلْقاً أَكْرَمَ مِنْ هَذَا؟فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:«لَيْسَ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ:كُنْ فَيَكُونُ».
[١] سورة ص ٣٨:٧٥ و ٧٦.
[٢] في المصدر:و الحافّين.
[٣] الإبلاس:الانكسار و الحزن.و أبلس من رحمة اللّه:أي يئس.«الصحاح-بلس-٣:٩٠٩».
[٤] البقرة ٢:٣١.
[٥] في المصدر:بتسعمائة.
[٦] الذّفر:كلّ ريح ذكيّة من طيب أو نتن.يقال:مسك أذفر.«الصحاح-ذفر-٢:٦٦٣».