البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٢٧ - الرعد آيه ٧
فَقَبَّلَهَا ثُمَّ بَكَى،فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«مَا يُبْكِيكَ يَا شَيْخُ؟»فَقَالَ:جُعِلْتُ فِدَاكَ،أَقَمْتُ عَلَى قَائِمِكُمْ مُنْذُ مِائَةِ سَنَةٍ،أَقُولُ:هَذَا الشَّهْرَ،وَ هَذِهِ السَّنَةَ.وَ قَدْ كَبِرَ سِنِّي وَ رَقَّ جِلْدِي وَ دَقَّ عَظْمِي وَ اقْتَرَبَ أَجَلِي،وَ لاَ أَرَى فِيكُمْ مَا أُحِبُّ،أَرَاكُمْ مَقْتُولِينَ [١] مُشَرَّدِينَ،وَ أَرَى أَعْدَاءَكُمْ يَطِيرُونَ بِالْأَجْنِحَةِ،فَكَيْفَ لاَ أَبْكِي؟!فَدَمَعَتْ عَيْنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)ثُمَّ قَالَ:«يَا شَيْخُ،إِنْ أَبْقَاكَ اللَّهُ حَتَّى تَرَى قَائِمَنَا كُنْتَ مَعَنَا فِي السَّنَامِ الْأَعْلَى،وَ إِنْ حَلَّتْ بِكَ الْمَنِيَّةُ جِئْتَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ ثَقَلِ مُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ نَحْنُ ثَقَلُهُ،فَقَالَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ فَتَمَسَّكُوا بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا:كِتَابَ اللَّهِ،وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي».فَقَالَ الشَّيْخُ:لاَ أُبَالِي بَعْدَ مَا سَمِعْتُ هَذَا الْخَبَرَ.
ثُمَّ قَالَ:«يَا شَيْخُ،اعْلَمْ أَنَّ قَائِمَنَا يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ الْحَسَنِ،وَ الْحَسَنُ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ عَلِيٍّ،وَ عَلِيٌّ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ مُحَمَّدٍ،وَ مُحَمَّدٌ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ عَلِيٍّ،وَ عَلِيٌّ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ ابْنِي هَذَا-وَ أَشَارَ إِلَى ابْنِهِ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)- وَ هَذَا خَرَجَ مِنْ صُلْبِي.نَحْنُ اثْنَا عَشَرَ،كُلُّنَا مَعْصُومُونَ مُطَهَّرُونَ».
فَقَالَ الشَّيْخُ:يَا سَيِّدِي،بَعْضُكُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ؟فَقَالَ:«لاَ،نَحْنُ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ،وَ لَكِنْ بَعْضُنَا أَعْلَمُ مِنْ بَعْضٍ».ثُمَّ قَالَ:«يَا شَيْخُ،وَ اللَّهِ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَخْرُجَ قَائِمُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، أَلاَ وَ إِنَّ شِيعَتَنَا يَقَعُونَ فِي فِتْنَةٍ وَ حَيْرَةٍ فِي غَيْبَتِهِ،هُنَاكَ يُثْبِتُ اللَّهُ عَلَى هَدَاهُ الْمُخْلَصِينَ،اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ».
٩٩-/٥٤٤٤ _٢- وَ عَنْهُ،قَالَ:حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ،قَالَ:حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمَّصِيُّ [٢] بِمَكَّةَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَ ثَلاَثِمِائَةٍ،قَالَ:حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الْغَطْفَانِيُّ،قَالَ:حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْحِمَّصِيُّ،قَالَ:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُكَّاشَةَ،قَالَ:حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ،قَالَ:حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ،عَنْ أَبِيهِ،عَنِ الْحَسَنِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،قَالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يَوْماً،فَقَالَ بَعْدَ مَا حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ:
مَعَاشِرَ النَّاسِ،كَأَنِّي أُدْعَى فَأُجِيبُ،وَ إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ:كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي،مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا،فَتَعَلَّمُوا مِنْهُمْ،وَ لاَ تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ،لاَ تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْهُمْ،وَ لَوْ خَلَتْ إِذَنْ لَسَاخَتْ بِأَهْلِهَا.
ثُمَّ قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْعِلْمَ لاَ يَبِيدُ وَ لاَ يَنْقَطِعُ،وَ أَنَّكَ لاَ تُخْلِي الْأَرْضَ مِنْ حُجَّةٍ لَكَ عَلَى خَلْقِكَ،ظَاهِرٍ لَيْسَ بِالْمُطَاعِ،أَوْ خَائِفٍ مَغْمُورٍ كَيْ لاَ تَبْطُلَ حُجَّتُكَ،وَ لاَ يَضِلَّ أَوْلِيَاؤُكَ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَهُمْ،أُولَئِكَ الْأَقَلُّونَ عَدَداً،الْأَعْظَمُونَ قَدْراً عِنْدَ اللَّهِ.
فَلَمَّا نَزَلَ عَنْ مِنْبَرِهِ قُلْتُ لَهُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،أَ مَا أَنْتَ الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ؟قَالَ:يَا حَسَنُ،إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ:
إِنَّمٰا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هٰادٍ فَأَنَا الْمُنْذِرُ،وَ عَلِيٌّ الْهَادِي.
قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،فَقَوْلُكَ:إِنَّ الْأَرْضَ لاَ تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ؟قَالَ:نَعَمْ،عَلِيٌّ هُوَ الْإِمَامُ وَ الْحُجَّةُ بَعْدِي؛وَ أَنْتَ الْإِمَامُ وَ الْحُجَّةُ بَعْدَهُ؛وَ الْحُسَيْنُ الْإِمَامُ وَ الْحُجَّةُ وَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَكَ؛وَ لَقَدْ نَبَّأَنِيَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ
[١] في المصدر:معتلين.العتل:أن تأخذ بتلبيب الرجل فتجرّه جرّا عنيفا و تذهب به إلى حبس أو بليّة.«لسان العرب-عتل-١١:٤٢٤».
[٢] في«س»:الجعفي.