البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٥٧ - يوسف آيه ٣٣-٤
ذِمْيَالَ عَبْدِيَ،الْمُجْتَهِدَ فِي عِبَادَتِهِ،الْقَانِعَ بِالْيَسِيرِ مِنْ ظَاهِرِ [١] الدُّنْيَا،عِشَاءَ أَمْسِ،لَمَّا اعْتَرَّ [٢] بِبَابِكَ عِنْدَ أَوَانِ إِفْطَارِهِ،وَ هَتَفَ بِكُمْ:أَطْعِمُوا السَّائِلَ الْغَرِيبَ الْمُجْتَازَ الْقَانِعَ.فَلَمْ تُطْعِمُوهُ شَيْئاً،فَاسْتَرْجَعَ وَ اسْتَعْبَرَ وَ شَكَا مَا بِهِ إِلَيَّ، وَ بَاتَ طَاوِياً،حَامِداً لِي،وَ أَصْبَحَ لِي صَائِماً،وَ أَنْتَ-يَا يَعْقُوبُ-وَ وُلْدُكَ شِبَاعٌ،وَ أَصْبَحْتَ وَ عِنْدَكُمْ فَضْلٌ مِنْ طَعَامِكُمْ.
أَ وَ مَا عَلِمْتَ-يَا يَعْقُوبُ-أَنَّ الْعُقُوبَةَ وَ الْبَلْوَى إِلَى أَوْلِيَائِي أَسْرَعُ مِنْهَا إِلَى أَعْدَائِي؟وَ ذَلِكَ حُسْنُ النَّظَرِ مِنِّي لِأَوْلِيَائِي،وَ اسْتِدْرَاجٌ مِنِّي لِأَعْدَائِي،أَمَا وَ عِزَّتِي لَأُنْزِلَنَّ بِكَ بَلْوَايَ،وَ لَأَجْعَلَنَّكَ وَ وُلْدَكَ غَرَضاً لِمُصَابِي،وَ لَأُؤَدِّبَنَّكَ بِعُقُوبَتِي،فَاسْتَعِدُّوا لِبَلْوَايَ،وَ ارْضَوْا بِقَضَائِي،وَ اصْبِرُوا لِلْمَصَائِبِ».
فَقُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):جُعِلْتُ فِدَاكَ،مَتَى رَأَى يُوسُفُ الرُّؤْيَا؟فَقَالَ:«فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي بَاتَ فِيهَا يَعْقُوبُ وَ آلُ يَعْقُوبَ شِبَاعاً،وَ بَاتَ فِيهَا ذِمْيَالُ طَاوِياً جَائِعاً،فَلَمَّا رَأَى يُوسُفُ الرُّؤْيَا وَ أَصْبَحَ يَقُصُّهَا عَلَى أَبِيهِ يَعْقُوبَ،فَاغْتَمَّ يَعْقُوبُ لَمَّا سَمِعَ مِنْ يُوسُفَ وَ بَقِيَ مُغْتَمّاً،فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ:أَنِ اسْتَعِدَّ لِلْبَلاَءِ.فَقَالَ يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ:لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكِيدُوا لَكَ كَيْداً،فَلَمْ يَكْتُمْ يُوسُفُ رُؤْيَاهُ وَ قَصَّهَا عَلَى إِخْوَتِهِ».
قَالَ:عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«وَ كَانَتْ أَوَّلُ بَلْوَى نَزَلَتْ بِيَعْقُوبَ وَ آلِ يَعْقُوبَ الْحَسَدَ لِيُوسُفَ لَمَّا سَمِعُوا مِنْهُ الرُّؤْيَا-قَالَ-فَاشْتَدَّتْ رِقَّةُ يَعْقُوبَ عَلَى يُوسُفَ،وَ خَافَ أَنْ يَكُونَ مَا أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ مِنَ الاِسْتِعْدَادِ لِلْبَلاَءِ هُوَ فِي يُوسُفَ خَاصَّةً،فَاشْتَدَّتْ رِقَّتُهُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِ وُلْدِهِ،فَلَمَّا رَأَى إِخْوَةُ يُوسُفَ مَا يَصْنَعُ يَعْقُوبُ بِيُوسُفَ وَ تَكْرِمَتَهُ إِيَّاهُ وَ إِيثَارَهُ إِيَّاهُ عَلَيْهِمْ،اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَ بَدَأَ الْبَلاَءُ مِنْهُمْ [٣] فَتَآمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ قَالُوا: لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلىٰ أَبِينٰا مِنّٰا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبٰانٰا لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ* اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صٰالِحِينَ أَيْ تَتُوبُونَ،فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا: يٰا أَبٰانٰا مٰا لَكَ لاٰ تَأْمَنّٰا عَلىٰ يُوسُفَ وَ إِنّٰا لَهُ لَنٰاصِحُونَ* أَرْسِلْهُ مَعَنٰا غَداً يَرْتَعْ الْآيَةَ.فَقَالَ يَعْقُوبُ: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَ أَخٰافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غٰافِلُونَ فَانْتَزَعَهُ حَذَراً عَلَيْهِ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْبَلْوَى مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى يَعْقُوبَ فِي يُوسُفَ خَاصَّةً لِمَوْقِعِهِ مِنْ قَلْبِهِ وَ حُبِّهِ لَهُ».
قَالَ:«فَغَلَبَتْ قُدْرَةُ اللَّهِ وَ قَضَاؤُهُ وَ نَافِذُ أَمْرِهِ فِي يَعْقُوبَ وَ يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ،فَلَمْ يَقْدِرْ يَعْقُوبُ عَلَى دَفْعِ الْبَلاَءِ عَنْ نَفْسِهِ،وَ لاَ عَنْ يُوسُفَ وَ وُلْدِهِ،فَدَفَعَهُ إِلَيْهِمْ وَ هُوَ لِذَلِكَ كَارِهٌ مُتَوَقِّعٌ لِلْبَلْوَى مِنَ اللَّهِ فِي يُوسُفَ،فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ مَنْزِلِهِمْ لَحِقَهُمْ مُسْرِعاً فَانْتَزَعَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَ ضَمَّهُ إِلَيْهِ وَ اعْتَنَقَهُ وَ بَكَى وَ دَفَعَهُ إِلَيْهِمْ،فَانْطَلَقُوا بِهِ مُسْرِعِينَ مَخَافَةَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُمْ وَ لاَ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِمْ،فَلَمَّا أَمْعَنُوا [٤] بِهِ؛أَتَوْا بِهِ غَيْضَةَ [٥] أَشْجَارٍ،فَقَالُوا:نَذْبَحُهُ وَ نُلْقِيهِ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ
[١] في«س»:طاهر.
[٢] في«ط»:عبر.
[٣] في«ط»و المصدر:فيهم.
[٤] أمعن:أبعد.«لسان العرب-معن-١٣:٤٠٩».
[٥] الغيضة:مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر.«لسان العرب-غيض-٧:٢٠٢».