محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٦٢ - الخطبة الأولى
أ. صدقة الصِّحة: سئل رسول الله صلّى الله عليه وآله أيّ الصدقة أفضل؟ قال:" أن تصدّق وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء وتخاف الفقر، ولا تَمهَّل حتّى إذا بلغت الحلقوم قلتَ: لفلان كذا ولفلان كذا. ألا وقد كان لفلان" ١.
ظرفُ الصحّة يغري بالبقاء، وحرصُ النّفس وشحّها بالمال وهي على ظنِّ البقاء أكبر، وخوفها من الفقر أشدّ. وبذلُ المال في ظرف التمسُّك القويّ به، وهو عزيزٌ عليها أدلّ على حبّ الله، وطاعته، والتعلُّق به، والثّقة فيه، وإكبار ثوابه.
والبعضُ إنّما يلتفت إلى أصحاب الحقوق في ماله، والحاجة الملحّة للمسكين واليتيم إلى شيءٍ من المال عندما تحضرُه الوفاة، ولا يبقى للمال دورٌ في خدمة حياته، حين لا طمعَ له في البقاء للتمتّع به. وسخاؤه بشيءٍ من المال في هذا الحال إنّما هو سخاء بزهيدٍ قلّ وزنه في النفس، وخفَّت درجة إغرائه، وإن كان شيءٌ خيراً من لا شيء.
ب. صدقة المُقِلّ: عن الصّادق عليه السلام:" إنّ صاحب الكثير يهون عليه ذلك ٢، وقد مدح الله عز وجل صاحب القليل، فقال: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ .... ٣" ٤.
الدّينار من المال القليل في يد الفقير أغلى منه من المال الكثير في يد الغنيّ، وحاجته إليه ألحُّ وأبين، وتمسّكه به في العادة أكبر، وقد لا تكون للغنيّ حاجة غير الجشع والحرص على الدّنيا في الكمّ الكبير من ماله.
فالفقير المتصدِّق بالقليل وهو كثيرٌ بالنسبة إلى ما بيده، ومتعلّق لحاجة أو أكثر من حاجاته الفعليّة مُضحٍّ بالكثير العزيز في سبيل الله، وما ذلك إلا لأنّ الله سبحانه عنده أكبر وأغلى