محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٨ - الخطبة الأولى
ولو كان الأنبياء مجبورين على الطّاعة وترك المعصية، وأن لا إرادة لهم على الإطلاق فيما يفعلون ويتركون لما كان لهم فضل طاعة على غيرهم، ولكان غيرهم من أهل الطّاعة ممن يمتلكون إرادة الفعل والترك أحقّ بالمثوبة لفارق الامتحان وعدمه.
كيف يكون الأنبياء معصومين؟
إذا لم يكن الأنبياء مجبورين على الطاعة، والتخلّي عن المعصية، ولم توجَد فيهم العصمة قهراً فمن أين جاءتهم العصمة، وكيف توفّروا عليها؟
أولًا: إنَّ تحدُّر الأنبياء من وراثات كريمة، وأصول نَسَبِيّة طاهرة، وإنَّ لهم مواهبهم الإلهية العالية من عقليّة وروحيّة ونفسيّة، وتحوطهم حراسة الله منذ الصِّغر عن إفساد البيئة وعقدها، وعن تلويثهم بأدرانها.
ولكن لا يأتي ذلك بحيث يسلب أولئك الصَّفوة إرادتهم ويسبّب لها الشَّلل.
وكلُّ النّاس لهم مواهب إلاهية سخية تتفاوت فيها بينهم ٢، ولهم بيئاتُهم الخاصّة الطبيعية والتربوية المفترقة من غير أن يسلب هذا التفاوت والافتراق إرادة الخير والشّر من أحدهم ٣.
ثانياً: الناس من غير المعصومين عليهم السلام مع إرادتهم لهم عصمة نسبية محدودة مما يكشف عن عدم التلازم بين العصمة وانتفاء الإرادة ٤؛ فالممتنع عن تناول السَّم أو القذارة ٥، والذي لا يجد أيّ ميلٍ لتناولهما، ولا يدخل في تفكيره أن بفعل ذلك غير فاقد للإرادة، ولا يعاني من تعّطلها.