محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦٦ - الخطبة الثانية
تواجهت في كربلاء باسم الإسلام جبهتان إلى حدِّ المواجهة الحادَّة، وسفك الدماء الغزيرة؛ جبهتان بعقليتين مختلفتين، وهدفين بُعدُ ما بينهما بُعدُ ما بين السماء والأرض، وقيادتين لا يُخطئ النظر ما بينهما من تفاوت هائل، ورايتين راية أرض وسماء، ولغتين تقول إحداهما أنزل على حكم الأمير، وإلَّا قطعنا رأسك، والأخرى تنادي بالنزول على حكم القرآن.
والكارثةُ الكبرى أنّ أمَّةً تنتسب للإسلام الحقِّ العدل النَّزيه المقاوم للظلم والجهل والانحراف جمع أكثرها والجهةَ المبطلة خندق واحد، وسفكت دم ابن بنت نبيّها صلّى الله عليه وآله، وأهله الكرام، وسَبَتْ حُرَمَه ١٦.
فإن يكن الأمر عن جهل فتلك مصيبة، وإن يكن عن علم فذلك انحطاط، وليس في الجهل عذر وقد كان بيان، وليس في نصرة الباطل على الحق ملتمس عذر لأي معتذر.
ويبقى الطامعون في الدنيا المحاربون لدين الله، وأئمة الحقّ على مدى التاريخ، ولكن جهل الأمة الذي لا عذر لها فيه، وتساهلها في الحقّ، وتخلّيها عن مسؤوليتها هو الذي يحقِّق لأصحاب الأطماع انتصاراتهم، ويسحق كلمة العدل ١٧، ويقضي على أئمَّة الهدى، ويؤخِّرهم لتغرق الأمة كلّها في المأساة.
إنَّ مسألة الإمامة لا يصحّ أيُّ تساهل في العلم بها وجوباً ١٨، ومن حيث طلبُ التشخيص للإمام ١٩ لأهميتها البالغة، وتأثيرها العميق على كامل الإسلام والأمَّة، ولكون هذا الجهل يفتح الباب واسعاً للتّمكين من طالب لها بعيد كلَّ البعد عنها، ولما يُسبِّبه ذلك من تمزيق الأمّة، ودخولها في حروب داخليّة طاحنة تذهب بريحها، وتهيء للاستيلاء عليها من خارجها.
إن واقعة الطّف بما كانت تعنيه من حصول يزيد على موقع قدم في الأمة ٢٠، والإمكان العملي لطرحه خليفة لرسول الله صلّى الله عليه وآله ٢١، وأميناً على الإسلام، وقائداً لدين يريد أن يحكم العالم، وحصوله على الرَّصيد الكافي من أبناء الإسلام لإيقاع الهزيمة