دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٤٨ - البحث الثالث حجيّة الإستصحاب على أساس الأخبار
٢ ـ قلتُ : فإنّي لم أكن رأيت موضعه وعلِمْتُ أنه قد أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلَمّا صليت وجدته ؟ قال : تغسله وتعيد الصلاة وذلك لأنّ عِلْمَه بنجاسة بعضه يقتضي لزومَ تركه للصلاة به .
٣ ـ قلتُ : فإنْ ظنـنتُ أنه قد أصابه ولم أتيقَّن ذلك ، فنظرتُ فلَمْ أرَ شيئاً ، ثم صلَّيتُ فرأيتُ فيه ؟
* ما معنى قولِ زرارة "فنظرتُ فلَمْ أرَ شيئاً" هل يعني أنه صار عالماً قاطعاً بعدم النجاسة ؟
الجواب : لا ، فعدمُ العِلْمِ لا يعني العلمَ بالعدم ، فعدمُ العلم يعني أنه صار شاكّاً وجاهلاً بإصابة النجاسةِ ثوبَه ، وهذا يضادُّ تماماً حصولَ القطعِ بعدم النجاسة ، لا بل حتى الإمامُ فَهِمَ منه حصولَ الشكّ بدليل قوله (ع) ثم شككتَ ممّا يعني أنّ نفسَ الإمام (ع) فَهِمَ حصولَ الشكّ عنده بوقوع النجاسة على ثوبه ، ولذلك قال الإمامُ تعبـيرَه ثم شككتَ ، إذن صار زرارةُ بعد البحث شاكّاً بوقوع النجاسة على ثوبه ، وليس قاطعاً بعدم النجاسة .
* ما هو المفعول به في قول زرارةَ "ثم صلَّيتُ فرأيتُ فيه ؟" هل هو رأى نفسَ ما كان يشكّ فيه ، أم رأى نجاسةً يُحتمل أن تكون جديدةً حادثةً ؟
كلامُ زرارة يَحتمل الوجهين :
فلعلّ ما رآه زرارةُ هو نفس ما كان يـَبحث عنه ، خاصةً إذا رأى المنيَّ ، ذلك لأنّ المنيّ لم يقع عليه أثـناء الصلاة قطعاً ، وإنما وقع عليه قبل ذلك أي حينما كان نائماً ، في الليل مثلاً ، إذن كان ظرفُ الشكّ هو ما قبل الصلاة وأثـناء الصلاة إلى حين رؤية النجاسة ، وما يفيدُنا هو أثـناء الصلاة فقط ، ولذلك كان ظرفُ جريان الإستصحاب فقط أثـناء الصلاة ، لأنه لا أثر لجريانه قبل الصلاةِ أو بعدَها . وبتعبـير آخر : قد يتوهّم زرارةُ أنّ الإستصحاب يجري من حين الشكّ ، وهذا التوهّم غير صحيح ، ذلك لعدم وجود أثر شرعي لإجراء الإستصحاب من حين الشكّ وقبل الصلاة .
ويحتمل أن يكون ما رآه هي نجاسة ثانية ـ غير النجاسة السابقة ـ قد وقعت عليه أثـناء الصلاة أو بعدها ، كما في دم الرعاف ، فيكون ظرفُ الشكّ هو مِن عند الفحص ـ قبل الصلاة ـ إلى أقصى حدّ ممكن بعد الصلاة وقبل رؤيته ، طبعاً بما فيه أثـناء الصلاة ، لكنه قبل الصلاة وبعدها لا ينفعنا الإستصحابُ في شيء ، فإذن يكفي أن نقول بأنّ ظرف جريان الإستصحاب كان أثـناء الصلاة فقط . وإنما قلنا "ويحتمل أن يكون ما رآه هي نجاسة ثانية" لما قاله الإمام (ع) في الجواب على السؤال السادس "وإن لم تشكّ ثم رأيتَه رطباً قطعت الصلاةَ وغسلتَه ، ثم بنيتَ على الصلاة ، لأنك لا تدري لعلّه شيءٌ اُوقِعَ عليك" .