دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٧١ - النقطة الرابعة هل يمكن الترخيصُ في بعض الأطراف إثباتاً أم لا ؟
أوّلاً : العرفُ لا يفهم أدلّةَ الترخيص بهذا الشكل المقترَح ، سواءً كان الدليل هو حديث الرفع أو استصحاب الطهارة أو نفس أخبار الحِلّ ، لأنهم يرَون في هكذا تقيـيدٍ مقترَحٍ ترخيصاً في القبـيح والمنكَر رغم كون الأطراف قليلةً عرفاً ، ولذلك هم يستقبحونه جدّاً ، لا بل يرون في هذا الترخيص مناقضةً بـينه وبين التحريم الواقعي المنجّز .
ثانياً : العرفُ لا يفهم الإطلاق من أدلّة الترخيص التخيـير بحيث يشمل كلّ طرف ، أي أنّ العرف لا يفهم أنّ أدلّة الترخيص مطلقة وتشمل كلّ الأطراف على أن نـترك مقدار الجامع ، وتجري في كلّ طرف ثم إذا تكاذبت تساقطت ، ولذلك هم يحملون روايات الترخيص على معنى معقول ، وهو تطبـيقُ أدلّة الحِلّ على مثل سوق المسلمين ، ويحملون أدلّةَ البراءة على الشبهة البدويّة ، وأدلّةَ الإستصحاب على ما له حالة سابقة والغير المقترن بالعلم الإجمالي ، فإنه أمْرٌ معقول جداً .
ثالثاً : لك أن تستدلّ على بطلان ادّعائه التخيـيرَ بما ورد في الروايات من وجوب إراقة كلا الإناءين فيما لو عُلِمَ بنجاسة أحدِهما من قبـيل ما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد (بن عيسى ، ويحتمل أن يكون ابن خالد) عن عثمان بن عيسى (ثقة له كتب كان واقفياً قالوا ثم تاب وبعث المال إلى الرضا (ع) ) عن سَماعة بن مِهْران (ثـقة) قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل معه إناءان فيهما ماء ، وَقَعَ في أحدهما قذَرٌ لا يَدري أيهما هو ، وليس يقدر على ماء غيره ؟ قال : يهريقهما جميعاً ويتيمَّم [٢٢٧]صحيحة السند .
وإنما نؤكّد على فكرة (هكذا يفهم العرفُ أو لا يفهم العرفُ هذا المعنى) لأنّ الآيات والروايات نزلت للناس ، أي ليفهمها الناس ، فإذَنْ فَهْمُ العرفِ هو الميزان . قال الله تعالى[هُدىً للناس ] وقال [ لتبين للناس ما نُزِّلَ إليهم ] [٢٢٨]وقال رسول الله p: إنّا معاشر الأنبـياء اُمِرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم [٢٢٩]...
والصحيح أن يقال :
إنه في موارد الدماء والأعراض والأموال الخطيرة لا شكّ في عدم جريان الاُصول الترخيصيّة ولو في بعض الأطراف ، وكذا لا تجري فيما لو كانت الأطراف قليلةً ، بحيث يستهجن العرفُ من جريان الاُصول المؤمّنة في بعض أطرافها .
[٢٢٧] ئل ١ ب ٨ من أبواب الماء المطلق ح ٢ ص ١١٣ .
[٢٢٨] قال الله تعالى[وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبـين لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ] (النحل ـ ٤٤) .
[٢٢٩] الكافي ج ١ /كتاب العقل والجهل/ ح ١٥ ص ٢٣ .