دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٧ - (المرحلة الرابعة من سنة ١٠٣١ هــ وإلى زمان الشهيد الصدر)
* نشوء المدرسة الأخبارية ومحاور الخلاف بـينها وبين المدرسة الأصولية
عرفتَ قبل قليل أنّه ظهرت المدرسة الأخبارية ما بين سنة ٩٨٥ هـ وسنة ١٠٣١ ، وعرفت أنّ المدرسة الأخبارية كانت قبل الشيخ الإسترآبادي ، وبظهوره بدأ الأخْذُ والردّ بين المدرستين الاُصولية والأخبارية ، وبها بدأ العصرُ الذهبي من عصور علم الاُصول والفقه والحديث ..
أمّا ما هي نقاط الخلاف بين المدرستين فيمكن إحصاؤها في خمس نِقاط أو قُلْ في خمسة محاور وهي :
الأوّل : إدّعى الأخباريون قطعيةَ صدور كل ما ورد في الكتب الحديثية الأربعة من الروايات لاهتمام أصحابها بتدوين الروايات التي يمكن العمل والاحتجاج بها ، وعليه فلا يحتاج الفقيه إلى البحث عن أسانيد الروايات الواردة في الكتب الأربعة ، ويصح له التمسك بما ورد فيها من الأحاديث . بل ذهب بعضهم إلى الإكتـفاء بصرف نسبة القول لأحد المعصومين عليهم السّلام في قبوله ، بل عدّوه بذلك قطعي الصدور ! ولذا أنكروا فائدة علم الرجال وثمرته وتبعاً لذلك أنكروا فائدة علم دراية الحديث بالمعنى المصطلح !!
أما الأصوليون فلهم رأي آخر فيما ورد في الكتب الأربعة ويقسمون الحديث إلى الأقسام الأربعة المشهورة : الصحيح والحسن والموثق والضعيف ، ويأخذون بالثلاثة الأول دون الأخير .
الثاني : وادّعَوا أيضاً عدمَ جريان البراءة في الشبهات الحكمية التحريمية على تفصيل ، أمّا الأصوليون فيذهبون إلى صحة جريان البراءة في الشبهات الحكمية الوجوبـية والتحريمية بأصالة البراءة والحِلّيّة العقليتين وبقاعدة البراءة والحِلّيّة الشرعيّتين .
و ما ذكرناه أخذناه من الحرّ العاملي في وسائله ١٨ كتاب القضاء ح ٢٠ ص ١٢٧ قال : "محمد بن علي بن الحسين قال قال الصادق t: "كلُّ شيءٍ مطلقٌ حتى يرد فيه نهي" . أقول : هذا يَحتمل وجوهاً : أحدها : الحمل على التقية ، فإنّ العامة يقولون بحجية الأصل ، فيضعف عن مقاومة ما سبق ، مضافاً إلى كونه خبراً واحداً لا يعارض المتواتر . وثانيها : الحمل على الخطاب الشرعي خاصة ، يعني أنّ كل شيء من الخطابات الشرعية يتعين حملُه على إطلاقه وعمومه حتى يرد فيه نهيٌ يخص بعضَ الأفراد ويُخرجه من الإطلاق ، مثالُه قولُهم i"كُلُّ ماءٍ طاهر حتى تعلم أنه قذر" فإنه محمول على إطلاقه ، فلمّا ورد النهيُ عن استعمال كل واحد من الإنائين إذا نجس أحدهما واشتبها ، تعين تقيـيدُه بغير هذه الصورة ، ولذلك استدل به الصدوق على جواز القنوت بالفارسية