دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٧٦ - (٢) أمّا الركن الثاني وهو الشكّ في طروء التغيُّر
الطريق الثاني : إنّ هذا الإشكال ينشأ من الخلط بين عالم الجعل وعالَم المجعول ، أي لحاظ الحكم بالحمل الشائع ولحاظه بالحمل الأوّلي ، ونوَضِّحُ هذا المطلبَ من خلال مقدمتين :
الأولى : اِنـنا إذا لاحظنا عالمَ المفاهيم فمفاهيمُ (الماء) و (الماء المتغيّر) و (الماء الفاقد للتغيّر) مفاهيمُ ثلاثةٌ متباينةٌ ، ليس شيءٌ منها بقاءً وامتداداً للآخر ، واَمّا إذا لاحظنا عالمَ المصاديق والوجودات الخارجية فمصداقُ الماء والماءِ المتغير بالقذارة متحدان ، كما أنّ الماء الفاقد للتغير ـ أي الماء النقيّ ـ امتدادٌ وبقاءٌ للماء المتقذِّر ، والميزان في جريان الإستصحاب في الشبهة الحكمية ملاحظة الحكم بالحمل الأولي أي بما هو صفة وعرَض لموضوعه الخارجي[٧٧٨]، لا بما هو مفهوم وجعلٌ بالحمل الشائع ، واِلاّ لم يجر الإستصحاب في الشبهة الحكمية رأساً .
الثانية : إنّ الأعراض الخارجية ـ كالحرارة مثلاً ـ لها معروضٌ هو الجسم وعلةٌ هي النار أو الشمس ، وهي ـ أي الحرارة ـ تـتعدد بتعدُّد الجسم المعروضِ لها ، فحرارةُ الخشب غيرُ حرارة الماء ، ولا تـتعدد الحرارةُ بتعدد الأسباب والحيثيات التعليلية ، فحرارةُ الماءِ سواءً كانت بالنار حدوثاً وبالشمس بقاء أو بغير ذلك فهي حرارة واحدة ، لها حدوث وبقاء ، كذلك الأحكامُ الشرعية ـ كالنجاسة مثلاً ـ فإنّ لها معروضاً ـ وهو الماء ـ وعِلّةً ـ هي التغيُّر بأوصاف النجاسة ـ وتعدُّدُها يكون بتعدُّدِ معروضِها لا بتعدد الحيثياتِ التعليلية ، وهذا يعني اَنّ الخصوصية التي سبَّبَ زوالُها الشكَّ في بقاء الحكم إذا كانت على فرض دخالتها بمثابة العلة والشرط فلا يضر زوالُها بوحدة الحكم ، ولا تستوجب دخالتُها ـ كحيثية تعليليةٍ ـ مباينةَ الحكم بقاءً للحكم حدوثاً ، واَمّا إذا كانت الخصوصيةُ الزائلة مقومةً لمعروض الحكم ـ كخصوصية البولية الزائلة عند تحَوُّلِ البول بخاراً ـ فهي توجب التغايرَ بين الحكم المذكور والحكم الثابت بعد زوالها .
[٧٧٨] في التقرير خطأٌ واضحٌ ، ففي قوله "كما أنّ الماء الفاقد للتغير امتدادٌ وبقاءٌ للماء المتقذِّر" يريد أن يستصحب بقاءَ موضوع الحكم ، وفي قوله"والميزان في جريان الإستصحاب في الشبهة الحكمية ملاحظةُ الحكم" يريد أن يستصحب بقاءَ الحكم !! وأيضاً من الخطأ أن يقول : "والميزانُ في جريان الإستصحاب في الشبهة الحكمية ملاحظةُ الحكم بالحمل الذاتي الأولي أي بما هو صفة وعرَضٌ لموضوعه الخارجي ، لا بما هو مفهوم وجعل بالحمل الشائع ، واِلاّ لم يجر الإستصحاب في الشبهة الحكمية رأساً " وذلك لأنّ المراد من الحمل الذاتي الأوّلي هو حملُ الذاتيات على الموضوع ، ولذلك سمّي بالحمل الذاتي ، وهو حملٌ ناظر إلى عالَم المفاهيم ، تقول "زيدٌ بالحمل الذاتي الأوّلي حيوانٌ ناطقٌ" ، وأنت حين تستصحب النجاسةَ مثلاً لا يكون المستصحبُ هو المفهوم ، وإنما يكون المستصحبُ هو المصداق الخارجي أي بالحمل الشايع ـ الذي هو من قبـيل الإنسانُ هو زيد وعَمْرو وبَكر وحَسَن وحسين ـ فأنت تستصحب النجاسةَ الخارجيّة أو الحدث ونحوَ ذلك من وجودات خارجيّة ، ولو وجودات معنويّة كالحدث .