دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٢٩ - الموقفُ الشرعي في حال تعارض الأمارتين
تكون معقّدة ـ خاصّةً في فرض مورد الرواية وهو مورد اختلاف الحاكمَين ـ وبحاجة إلى فقيه عالِمٍ ليدقّق في كلّ جوانبها ، ولذلك لا يمكن أن نقيس الراوي على الحاكم ، فالراوي قد لا يكون فقيهاً في الكثير من الحالات ، وقد لا تحتاج الرواية إلى أكثر من كون ناقلها ثقة ومِن فهْمِ مضمونِها ليكون نقلها صحيحاً ولا تحتاج إلى الأفقه والأعدل .
* ثم إنه إذا تقاربت صفاتُ الحاكمَين إلى بعضهما لكنْ تميَّزَ أحدُهما على الآخر من حيث المجموع لوجب تقديمُ الأفقه لا محالة ، لأنّ المراد والمطلوب هو التقريب إلى الواقع ، وذلك بـبـيان أنك تعلم بأنّ الصدق والورع داخلان في العدالة ، وإنما ذُكِرتا للتأكيد ، فتصير الصفات اثـنـتين ، وهما (الأعدل والأفْقَه) ، كما أنك تعلم أنّ المراد من خصوص هذه الصفات ومن الميّزات الأخرى الآتية في المقبولة هو للتقرّب إلى الواقع قدر الإمكان ، فإذا كان أحدهما أمْيَزَ بالعدالة والفقاهة اُخِذَ بقوله ، وإن كان أحدهما أمْيَزَ بالعدالة والآخر بالفقاهة ، أُخِذَ بالأفْـقَه ، طالما أنه عادل ، لأنّ الأفْـقَه هو الأفهم في هذا المجال وهو الأقرب إلى الواقع وهو المطلوب .
فإنْ تساويا مِن جِهَتَي العدالةِ والفقاهةِ فح قال (ع) (٢) يُنظَرُ إلى ما كان مِن روايتهما عنّا في ذلك الذي حَكَما به المجمعَ عليه عند أصحابك فيُؤخَذُ به مِن حُكْمِنا ويُترَكُ الشاذُّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك ، فإنّ المجمعَ عليه لا رَيبَ فيه أي يؤخذ بالرواية التي اجتمع عليها أكثرُ العلماء ، أي عَمَلاً وفتوَى ، ولو لشهرتها الروائيّة ، ولكن بشرط إفادتها للإطمئـنان والوثوق لا من باب التعبّد المحض ، أي انـتقل الإمام إلى محاولة إثبات أيِّ الروايتين هي التي صدرت من المعصوم ، فإن لم يُعلم ذلك ـ أي تساويا من جهة الشهرة ـ فإنه (٣) يُنظَرُ ، فَما وافق حُكْمُه حُكْمَ الكتابِ والسُّنّة وخالف العامّةَ فيؤخذ به ويُترَكُ ما خالف حُكْمُه حُكْمَ الكتاب والسنة ووافق العامَّة فإنّ ما خالف العامةَ فيه الرشادُ ، فإنْ تساويا من هذه الجهة أيضاً فإنه (٤) يُنظَرُ إلى ما هم إليه أمْيَلُ حكامهم وقضاتهم ـ أي فتوائياً ، لا بلحاظ أخبار العامّة ـ فيُترَك ويؤخذ بالآخر ، فإن تساويا من هذه الجهة أيضاً (٥) فأَرْجِئْهُ حتى تَلْقَى إمامَك أي ضَعِ الروايتين على جنب واعمل بالإحتياط أو بالأصول العمليّة ، فإنّ هذا هو مقتضى الإرجاء .
إذن صحيحةُ عبد الرحمن بن أبي عبد الله ذكرَتْ الترجيحَ بكتاب الله أوّلاً ، ثم بمخالفة أخبار العامّة ، وأمّا هذه المقبولة فإنها ذَكَرَتْ أوّلاً الترجيحَ بصفات الحاكم ، ثم الترجيحَ بشهرة الرواية